الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وكذلك قال: زعمت الجهمية أن الله في القرآن إنما هو اسم مخلوق، فقلنا: قبل أن يخلق هذا الاسم ما كان اسمه؟ قالوا: لم يكن له اسم، فقلنا: وكذلك قبل أن يخلق العلم كان جاهلا لا يعلم حتى خلق لنفسه علما، وكان لا نور له حتى خلق لنفسه نورا، وكان لا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة؟!! فعلم الخبيث أن الله قد فضحه وأبدى عورته حين زعم أن الله جل [ ص: 434 ] ثناؤه في القرآن إنما هو اسم مخلوق.

وقال عثمان بن سعيد الدارمي: «ثم عاد المعارض إلى أسماء الله تعالى ثانية فادعى أنها محدثة كلها؛ لأن الأسماء هي الألفاظ، ولا يكون لفظ إلا من لافظ، إلا أن في معانيها ما هي قديمة ومنها حديثة، وقد فسرنا للمعارض تفسير أسماء الله تعالى في صدر كتابنا هذا، واحتججنا عليه بما تقوم به الحجة من الكتاب والسنة، فلم نحب إعادتها ها هنا ليطول به الكتاب، غير أن قوله: هي لفظ اللافظ، يعني أنه من ابتداع المخلوقين وألفاظهم. (ل) أن الله تعالى لا يلفظ بشيء في دعواهم، ولكن وصفه بها المخلوقون، وكلما حدث لله تعالى فعل في دعواه أعاره العباد اسم ذلك الفعل، يعني أنه لما خلق سموه خالقا، وحين رزق سموه رازقا، وحين خلق الخلق [ ص: 435 ] فملكهم سموه مالكا، وحين فعل الشيء سموه فاعلا، وكذلك قال: منها حديثة ومنها قديمة.

فأما قبل الخلق فبزعمهم لم يكن لله اسم، وكان كالشيء المجهول الذي لا يعرف ولا يدرى ما هو حتى خلق، فأحدثوا أسماءه، ولم يعرف الله في دعواهم لنفسه أسماء حتى خلق الخلق فأعاروه هذه الأسماء من غير أن يتكلم الله بشيء منها، فيقول: أنا الله رب العالمين [القصص: 30] وأنا الرحمن الرحيم وأنا التواب الرحيم [البقرة: 160] فنفوا كل ذلك عن الله تعالى مع نفي الكلام عنه حتى ادعى جهم أن رأس محنته نفي الكلام عن الله، فقال: «متى نفينا عنه الكلام فقد نفينا عنه جميع الصفات من النفس واليدين والوجه والسمع والبصر؛ لأن الكلام لا يكون إلا لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر، ولا يثبت كلام لمتكلم إلا من قد اجتمعت فيه هذه الصفات».

وكذب جهم وأتباعه فيما نفوا عنه من الكلام، وصدقوا فيما ادعوا أنه لا يثبت الكلام [ ص: 436 ] إلا لمن اجتمعت فيه هذه الصفات، فقد اجتمعت في الله على رغم أعداء الله، وإن جزعوا منه، بلا تكييف ولا تمثيل، وهو الذي أخبر عنه بأسمائه في محكم كتابه المنزل على رسوله، ووصف بها نفسه -وقوله ووصفه غير مخلوق - على رغم الجهمية، غير أن الوصف من الله على لونين. أما ما وصف به نفسه فالوصف والموصوف غير مخلوق، وأما ما وصف به خلقه من السموات والأرض والجبال والشجر والجن والإنس والأنعام وسائر الخلائق فالوصف منه غير مخلوق والموصوفات مخلوقات [ ص: 437 ] كلها.

التالي السابق


الخدمات العلمية