الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( فإذا تم الحد بينهما : ثبت أربعة أحكام ، أحدها : سقوط الحد عنه ، أو التعزير ) بلا نزاع ( ولو قذفها برجل بعينه : سقط الحد عنه لهما ) ، هذا المذهب : وعليه الأصحاب ، وقال الشارح ، وقال بعض أصحابنا : القذف للزوجة وحدها ، ولا يتعلق بغيرها حق في المطالبة ولا الحد . قوله ( الثاني الفرقة بينهما ) ، يعني : تحصل الفرقة ( بتمام تلاعنهما ) ، فلا يقع الطلاق ، هذا المذهب ، جزم به في الوجيز ، وغيره ، وقدمه في المحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع ، وغيرهم ، واختاره أبو بكر وغيره ، فيما حكاه المصنف ، وغيره ، وعنه : لا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما ، وهو ظاهر كلام الخرقي ، واختاره القاضي ، والشريف ، وأبو الخطاب في خلافاتهم ، وابن البنا وغيرهم ، ويلزم الحاكم الفرقة بلا طلب ، قال ابن نصر الله : فيعايى بها ، فيقال : حكم يلزم الحاكم بغير طلب ، كذا أحكام الحسبة ، وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمصنف ، وأبي بكر فيما حكاه القاضي في تعليقه وغيرهم ، [ ص: 252 ] قال في الخلاصة : فإذا تلاعنا فرق بينهما ، وعنه : لا تحصل الفرقة إلا بحكم الحاكم بالفرقة ، فينتفي الولد ، قال في الانتصار : واختاره عامة الأصحاب .

قوله ( الثالث : التحريم المؤبد ) ، هذا المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب ، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، قال المصنف وغيره : هذا ظاهر المذهب ، وجزم به في الوجيز ، وغيره ، وقدمه في المغني ، والمحرر ، والشرح ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع ، وغيرهم ، وصححه في النظم ، وفي الخلاصة هنا ، وعنه : إن أكذب نفسه حلت له ، قال ابن رزين : وهي أظهر ، قال المصنف ، والشارح : هي رواية شاذة ، شذ بها حنبل عن أصحابه ، قال أبو بكر : لا نعلم أحدا رواها غيره ، وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والمصنف في هذا الكتاب في " باب المحرمات في النكاح " كما تقدم ، وعنه : تباح له بعقد جديد ، حكاها الشيرازي ، والمجد .

تنبيه :

قال الزركشي : اختلف نقل الأصحاب في رواية حنبل ، فقال القاضي في الروايتين : نقل حنبل " إن أكذب نفسه زال تحريم الفراش ، وعادت مباحة كما كانت بالعقد الأول " ، وقال في الجامع والتعليق : " إن أكذب نفسه جلد الحد وردت إليه " ، فظاهر هذا : أنها ترد إليه من غير تجديد عقد ، وهو ظاهر كلام أبي محمد ، قال في الكافي ، والمغني : نقل حنبل " إن أكذب نفسه عاد فراشه كما كان " ، [ ص: 253 ] زاد في المغني " وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق الحاكم ، فأما مع تفريق الحاكم بينهما : فلا وجه لبقاء النكاح بحال " ، قال : وفيما قال نظر ، فإنه إذا لم يفرق الحاكم فلا تحريم حتى يقال : حلت له . انتهى .

قلت : النظر على كلامه أولى ، فإن رواية حنبل ظاهرها : سواء فرق الحاكم بينهما أو لا ، فإنه قال " إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله " ، والصحيح : أن الفرقة تحصل بتمام التلاعن من غير تفريق من الحاكم ، كما تقدم ، وقوله " إن أكذب نفسه حلت له " فيه دليل على أنها محرمة عليه قبل تكذيب نفسه ، قال الزركشي : والذي يقال في توجيه هذه الرواية : ظاهر هذا أن الفرقة إنما استندت للعان ، وإذا أكذب نفسه كان اللعان كأن لم يوجد ، وإن لم يزل ما يترتب عليه ، وهو الفرقة ، وما نشأ عنها ، وهو التحريم ، قال : وأعرض أبو البركات عن هذا كله ، فقال : إن الفرقة تقع فسخا متأبد التحريم ، وعنه : إن أكذب نفسه حلت له بنكاح جديد أو ملك يمين إن كانت أمة وقد سبقه إلى ذلك الشيرازي ، فحكى الرواية بإباحتها بعقد جديد . انتهى .

قوله ( وإن لاعن زوجته الأمة ، ثم اشتراها : لم تحل له إلا أن يكذب نفسه ، على الرواية الأخرى ) ، وهي رواية حنبل ، والصحيح من المذهب : أنها لا تحل له كما لو كانت حرة كما تقدم .

التالي السابق


الخدمات العلمية