الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل وعلى المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت بالغة مسلمة الحداد

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 346 ] ( وإذا خرجت المرأة مع زوجها إلى مكة فطلقها ثلاثا أو مات عنها في غير مصر ، فإن كان بينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام رجعت إلى مصرها ) لأنه ليس بابتداء الخروج معنى بل هو بناء ( وإن كانت مسيرة ثلاثة أيام إن شاءت رجعت وإن شاءت مضت سواء كان معها ولي أو لم يكن ) معناه إذا كان إلى المقصد ثلاثة أيام أيضا لأن المكث في ذلك المكان أخوف عليها من الخروج ، إلا أن الرجوع أولى ليكون الاعتداد في منزل الزوج . قال ( إلا أن يكون طلقها أو مات عنها زوجها في مصر فإنها لا تخرج حتى تعتد ثم تخرج إن كان لها محرم ) وهذا عند أبي حنيفة [ ص: 347 ] ( وقال أبو يوسف ومحمد : إن كان معها محرم فلا بأس بأن تخرج من المصر قبل أن تعتد ) لهما أن نفس الخروج مباح دفعا لأذى الغربة ووحشة الوحدة فهذا عذر ، وإنما الحرمة للسفر وقد ارتفعت بالمحرم . وله أن العدة أمنع من الخروج من عدم المحرم ، فإن للمرأة أن تخرج إلى ما دون السفر بغير محرم وليس للمعتدة ذلك ، فلما حرم عليها الخروج إلى السفر بغير المحرم ففي العدة أولى .

[ ص: 346 ]

التالي السابق


[ ص: 346 ] قوله وإذا خرجت المرأة مع زوجها إلى مكة أو غيرها ) المقصود إذا سافر بها فطلقها فإما رجعيا أو بائنا ; ففي الرجعي تتبع زوجها حيث مضى لأن النكاح قائم ، وإن كان بائنا أو مات عنها وبينها وبين كل من مصرها ومقصدها أقل من السفر ، فإن شاءت مضت إلى المقصد وإن شاءت رجعت سواء كانت في مصر أو لا معها محرم أو لا لأنه ليس في ذلك إنشاء سفر . وخروج المطلقة والمتوفى عنها زوجها ما دون السفر مباح إذا مست الحاجة إليه بمحرم وبغيره ، إلا أن الرجوع أولى ليكون الاعتداد في منزل الزوج ، كذا في الدراية . وإطلاق المصنف يقتضي أنه إذا كان بينها وبين مصرها أقل من مدة السفر رجعت سواء كان بينها وبين مقصدها سفر أو دونه . أما إن كان مدة سفر فظاهر لأن المضي إلى مقصد سفر والرجوع ليس بسفر . وأما إن كان ما دونها فترجع أيضا لأنها كما رجعت تصير مقيمة ، وإذا مضت تكون مسافرة ما لم تصل إلى المقصد ، فإذا قدرت على الامتناع عن استدامة السفر في العدة تعين عليها ذلك ، كذا في النهاية وهو أوجه .

( قوله ومعناه إذا كان إلى المقصد ثلاثة أيام ) فصاعدا ، فإذا كان دونها إلى المقصد لا تتخير بل يتعين عليها الذهاب إلى المقصد .

( قوله إلا أن يكون ) استثناء من قوله : إن [ ص: 347 ] شاءت رجعت وإن شاءت مضت : أي في جميع الأحوال إلا في حال يكون طلقها أو مات عنها في مصر فإنها لا تتخير بل يتعين عليها أن تعتد فيه عند أبي حنيفة سواء كان معها محرم أو لا . وحاصل وجوه المسألة : إما أن يكون بينها وبين مصرها ومقصدها أقل من السفر فتتخير والأولى الرجوع على ما في الكافي . وعلى ما في النهاية وغيرها يتعين الرجوع ، أو كان أحدهما سفرا والآخر دونه فتختار ما دونه لأنها باختيار مقابله منشئة سفرا دون اختياره ، فإن كان كل منهما سفرا فلا يخلو من أن تكون في مفازة أو مصر ، فإن كانت في مفازة فإن شاءت مضت وإن شاءت رجعت بمحرم أو لا ، لأن ما يخاف عليها في ذلك المكان أشد مما يخاف عليها في الخروج ، والأولى أن تختار الرجوع لما قلنا ، وإن كانت في مصر لم تخرج بغير محرم لأن ما يخاف في السفر بغير محرم أعظم مما يخاف عليها في المصر فكان المكث في المصر أولى ، بخلاف المفازة ، فإن كان معها محرم لم تخرج عند أبي حنيفة في العدة وقالا : تخرج وهو قول أبي حنيفة أولا . وقوله الآخر أظهر . لهما أنها في غير منزلها فلها أن تخرج بمحرم كما لو كانت في غير المصر ، وهذا لأن أصل الخروج مطلق لها إجماعا لما يلحقها من ضرر الغربة ووحشة الانفراد . ومتى قلنا : لها أن تخرج إلى ما دون السفر بلا محرم فإذا بطل معنى السفر بالمحرم بقي مجرد الخروج وهو مطلق لمكان الغربة ، إذ الغريب يؤذى ويهان فأشبه المفازة .

وله أن تأثير العدة في المنع من الخروج أقوى من تأثير عدم المحرم في المنع من السفر ، فالعدة أولى ، وما دون السفر إنما أبيح مع قيام العدة باعتبار أنه ليس بخروج لأنه بناء على الخروج الأول لا لأن أصل الخروج مباح وهي هنا منشئة للخروج باعتبار السفر فيتناوله التحريم ، وإذا تناوله لم يسقط بالمحرم لأنه لا يرتفع به حرمة الخروج بسبب العدة .

وفي البدائع : لو كانت الجهتان مدة سفر فمضت أو رجعت وبلغت أدنى المواضع التي تصلح للإقامة أقامت فيه واعتدت إن لم تجد محرما بلا خلاف ، وكذا إن وجدت عند أبي حنيفة [ ص: 348 ] ومثله في المحيط ، وفيه : البدوي طلق امرأته فأراد نقلها إلى مكان آخر ، في الكلأ والماء ، فإن لم تتضرر بتركها في ذلك الموضع في نفسها أو مالها ليس لها ذلك ، وإن تضررت فله ذلك إذ الضرورات تبيح المحظورات ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث