الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


والتي لا تكفر اليمين الغموس ، وهي المعقودة على أمر في الماضي أو الحال كاذبة يتعمد صاحبها ذلك ، وهذه ليست بيمين حقيقة ; لأن اليمين عقد مشروع ، وهذه كبيرة محضة ، والكبيرة ضد المشروع ولكن سماه يمينا مجازا ; لأن ارتكاب هذه الكبيرة لاستعمال صورة اليمين كما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الحر بيعا مجازا ; لأن ارتكاب تلك الكبيرة لاستعمال صورة البيع ، ثم لا ينعقد هذا اليمين فيما هو حكمه في الدنيا عندنا ، ولكنها توجب التوبة والاستغفار ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى تنعقد موجبة للكفارة فمن أصله محل اليمين نفس الخبر ، وشرط انعقادها القصد الصحيح ، وعندنا محل اليمين خبر فيه رجاء الصدق ; لأنها تنعقد موجبة للبر ، ثم الكفارة خلف عنه عند فوت البر ، فالخبر الذي لا يتصور فيه الصدق لا يكون محلا لليمين ، والعقد لا ينعقد بدون محله ، وحجته قوله تعالى { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } . فالله أثبت المؤاخذة في اليمين المكسوبة واليمين الغموس بهذه الصفة ; لأنها بالقلب مقصودة ، ثم فسر هذه المؤاخذة بالكفارة في قوله { بما عقدتم الأيمان } . معناه بما قصدتم ، والعقد هو القصد ومنه سميت النية عقيدة ، وأوجب الكفارة موصولة باليمين بقوله { : فكفارته } ; لأن الفاء للوصل ، وقال في آخر الآية { : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } والكفارة بنفس الحلف إنما تجب بالغموس ، والمراد بقوله : { واحفظوا أيمانكم } الامتناع من الحلف فإن بعد الحلف إنما يتصور حفظ البر وحفظ اليمين يذكر لمعنى الامتناع . قال القائل [ ص: 128 ]

: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برت

; ولأن قوله خالف فعله في يمين بالله تعالى مقصود فيلزمه الكفارة كما في المعقودة على أمر في المستقبل ، وأقرب ما يقيسون عليه إذا حلف ليمسن السماء ، أو ليحولن هذا الحجر ذهبا ; وهذا لأن وجوب الكفارة في المعقودة على أمر في المستقبل لمعنى الحظر ، ولهذا سميت كفارة أي ساترة ، وهذا الحظر من حيث الاستشهاد بالله تعالى كاذبا ، وذلك بعينه موجود في الغموس ; ولأن الغموس إنما يخالف المعقودة على أمر في المستقبل في توهم البر ، والبر مانع من الكفارة ، وانعدام ما يمنع الكفارة يحقق معنى الكفارة فيها ، ولأن في أحد نوعي اليمين وهو الشرط والجزاء يسوى بين الماضي والمستقبل في موجبه ، فكذلك في النوع الآخر .

( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } الآية ، فقد بين جزاء اليمين الغموس بالوعيد في الآخرة ، فلو كانت الكفارة فيها واجبة لكان الأولى بيانها ; ولأن الكفارة لو وجبت إنما تجب لرفع هذا الوعيد المنصوص ، وذلك لا يقول به أحد . قال : عليه الصلاة والسلام { خمس من الكبائر لا كفارة فيهن ، وذكر منها اليمين الفاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم ، وقال : اليمين الغموس تدع الديار بلاقع } أي خالية من أهلها ، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : كنا نعد اليمين الغموس من الأيمان التي لا كفارة فيها ، والمعنى فيه أنها غير معقودة ; لأن عقد اليمين للحظر أو الإيجاب ، وذلك يتحقق في الماضي ، والخبر الذي ليس فيه توهم الصدق والعقد لا ينعقد بدون محله كالبيع لا ينعقد على ما ليس بمال ; لخلوه عن موجب البيع ، وهو تمليك المال ; ولأنه قارنها ما يحلها ولو طرأ عليها يرفعها فإذا قارنها منع انعقادها كالردة والرضاع في النكاح بخلاف مس السماء ونحوه ، فإنه لم يقارنها ما يحلها ; لأنها عقدت على فعل في المستقبل فما يحلها انعدام الفعل في المستقبل ، ولهذا تتوقت تلك اليمين بالتوقيت ; ولأن الغموس محظور محض فلا يصلح سببا لوجوب الكفارة كالزنا والردة ; وهذا لأن المشروعات تنقسم ثلاثة أقسام : عبادة محضة وسببها مباح محض ، وعقوبة محضة كالمحدود وسببها محظور محض ، وكفارات وهي تتردد بين العبادة والعقوبة فمن حيث إنها لا تجب الأجزاء تشبه العقوبة ، ومن حيث إنه يفتى بها فلا تتأدى إلا بنية العبادة ، وتتأدى بما هو محض العبادة كالصوم تشبه العبادات فينبغي أن يكون سببها مترددا بين الحظر والإباحة ، وذلك المعقودة على أمر في المستقبل ; لأنه باعتبار تعظيم حرمة اسم الله تعالى باليمين مباح وباعتبار هتك هذه الحرمة [ ص: 129 ] بالحنث محظور فيصلح سببا للكفارة فأما الغموس محظور محض ; لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى محظور محض فمع الاستشهاد بالله تعالى أولى فلا يصلح سببا للكفارة ، ثم الكفارة تجب خلفا عن البر الواجب باليمين ، ولهذا يجب في المعقودة على أمر في المستقبل بعد الحنث ; لأن قبل الحنث ما هو الأصل قائم فإذا حنث فقد فات الأصل ، فتجب الكفارة ليكون خلفا ، ويصير باعتبارها كأنه على برة .

وهذا إنما يتصور في خبر فيه توهم الصدق أنه ينعقد موجبا للأصل ، ثم الكفارة خلف عنه ، وفي مس السماء هكذا ; لأن السماء عين ممسوسة فلتصور البر انعقدت اليمين ، ثم لفواته بالعجز من حيث العادة تلزمه الكفارة في الحال خلفا عن البر ، فأما فيما نحن فيه لا تصور للبر فلا ينعقد موجبا لما هو الأصل ، فلا يمكن أن يجعل موجبا للخلف ; ولأنه حينئذ لا يكون خلفا بل يكون واجبا ابتداء ، ولا يمكن جعل الكفارة واجبة باليمين ابتداء ; لأنها حينئذ لا تكون كبيرة بل تكون سبب التزام القربة ، ومعنى قوله تعالى { ذلك كفارة أيمانكم } إذا حلفتم وحنثتم ، ومن أسباب الوجوب ما هو مضمر في الكتاب كقوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر } فأفطر { فعدة من أيام أخر } ، ثم إن الله تعالى أوجب الكفارة بعد عقد اليمين بقوله { بما عقدتم الأيمان } والقراءة بالتشديد لا تتناول إلا المعقودة ، وكذلك بالتخفيف ; لأنه يقال عقدته فانعقدت ، كما يقال كسرته فانكسر ، وإنما يتصور الانعقاد فيما يتصور فيه الحل ; لأنه ضده قال القائل : ولقلب المحب حل وعقد ، ولا يتصور ذلك في الماضي أو المراد بقوله { : بما كسبت قلوبكم } المؤاخذة بالوعيد في الآخرة ; لأن دار الجزاء في الحقيقة الآخرة ، فأما في الدنيا قد يؤاخذ المطيع ابتداء ، وينعم على العاصي استدراجا ، والمؤاخذة المطلقة محمولة على المؤاخذة في الآخرة ، وبفصل الشرط والجزاء يستدل على ما قلنا ، فإنه إذا أضيف إلى الماضي يكون تحقيقا للكذب ، ولا يكون يمينا ، وإليه يشير في الكتاب ، ويقول : أمر الغموس أمر عظيم والبأس فيه شديد . معناه أن ما يلحقه من المأثم فيه أعظم من أن يرتفع بالكفارة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث