الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من الأيمان

وإذا حلف بأيمان متصلة معطوفة بعضها على بعض ، واستثنى في آخرها كان ذلك استثناء من جميعها ; لأن الكلمات المعطوفة بعضها على بعض ككلام واحد ، فيؤثر الاستثناء في إبطالها كلها اعتبارا للأيمان بالإيقاعات ، وقيل : هذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لأن الاستثناء عندهما لإبطال الكلام ، وحاجة اليمين الأولى كحاجة اليمين الثانية ، فأما عند أبي يوسف رحمه الله تعالى الاستثناء بمنزلة الشرط ، فإنما ينصرف إلى ما يليه خاصة كما لو ذكر شرطا آخر ; لأن اليمين الأولى تامة بما ذكر لها من الشرط والجزاء ، فلا ينصرف الشرط المذكور آخرا إليها ، وقد بينا هذا في الجامع ، وكذلك لو قال : إلا أن يبدو لي أو أرى غير ذلك ، أو إلا أن أرى خيرا من ذلك ، فهذا كله من ألفاظ الاستثناء ، وبه يخرج الكلام من أن يكون عزيمة وإيجابا ، وإن قال : إلا أن لا أستطيع فهذا على ثلاثة أوجه ، فإن كان يعني ما سبق به من القضاء فهو موسع عليه ، ولا يلزمه الكفارة ; لأن المنوي من محتملات لفظه ، فالمذهب عند أهل السنة أن كل شيء بقضاء وقدر ، وأن الاستطاعة مع الفعل ، فإذا لم يفعل علمنا أن الاستطاعة التي قد استثنى بها لم توجد ، ولكن هذا في اليمين بالله فإن موجبه الكفارة ، وذلك بينه وبين ربه ، فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق فهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى ولكن لا يدين في الحكم ; لأن العادة الظاهرة أن الناس يريدون بهذه الاستطاعة ارتفاع الموانع ، فإن الرجل يقول : أنا مستطيع لكذا ولا أستطيع أن أفعل كذا على معنى أنه يمنعني مانع من ذلك . قال الله تعالى { : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } .

وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة ، فإذا كان الظاهر هذا ، والقاضي مأمور باتباع الظاهر لا يدينه في الحكم ، فإن كان يعني شيئا يعرض [ ص: 159 ] من البلايا لم يسقط عنه يمينه ما لم يعرض ذلك الشيء ، وكذلك إن لم يكن له نية الاستطاعة ، فهو على أمر يعرض له فلا يكون على القضاء والقدر ما لم ينوه ; لما بينا أن الكلام المطلق محمول على ما هو الظاهر والمتعارف ، ولو قال : والله لا أكلم فلانا والله لا أكلم فلانا رجلا آخر إن شاء الله تعالى يعني بالاستثناء اليمينين جميعا ، كان الاستثناء عليهما لكونه إحدى اليمينين معطوفة على الأخرى ، وفي بعض النسخ لم يذكر حرف العطف ، ولكن قال : والله لا أكلم فلانا وهذا صحيح أيضا ; لأن موجب هذه اليمين الكفارة ، وذلك أمر بينه وبين ربه ، فإذا لم يسكت بين اليمينين كان المنوي من محتملات لفظه ، أو يجعل الواو في الكلام الثاني للعطف دون القسم ، فكأنه قال : والله والله ، وكذلك لو قال : علي حجة إن كلمت فلانا ، وعلي عمرة إن كلمت فلانا إن شاء الله ، فكلمه لم يحنث ; لأن الكلام الثاني معطوف على الأول ، فأما إذا قال : عبدي حر إن كلمت فلانا ، عبدي الآخر حر إن كلمت فلانا إن شاء الله تعالى ثم كلمه عبده الأول حر في القضاء ، ويدين فيما بينه وبين الله ; لأنه لم يذكر بين الكلامين حرف العطف ، فانعدام الاتصال بينهما حكما ، ووجد الاتصال صورة حين لم يسكت بينهما ، فإن نوى صرف الاستثناء إليهما كان مدينا فيما بينه وبين الله تعالى للاحتمال ولا يدين في الحكم ; لأنه خلاف الظاهر ، فإن الكلام الثاني غير معطوف على الأول فيصير فاصلا بين الاستثناء والكلام الأول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث