الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من الأيمان

وإن قال لامرأته : إن حلفت بطلاقك فعبدي حر فهذه يمين بالعتق ; لأن اليمين تعرف بالجزاء ، والجزاء عتق العبد ; لأن الجزاء ما يتعقب حرف الجزاء وهو الفاء ، والشرط أن يحلف بطلاق امرأته ، فإذا قال بعد ذلك لعبده : إن حلفت بعتقك فامرأته طالق فإن عبده يعتق ; لأن بالكلام الثاني حلف بطلاق امرأته ، يذكر الشرط ، والجزاء طلاقها فوجد به الشرط في اليمين الأول ، فلهذا يعتق عبده ، ولا تطلق امرأته ; لأن الحلف بعتق العبد كان سابقا على الحلف بطلاقها ، وما يكون سابقا على اليمين لا يكون شرطا ; لأن الحالف إنما يقصد منع نفسه عن إيجاد الشرط ، وذلك لا يتحقق فيما كان سابقا على يمينه ، ولو قال لامرأته ثلاث مرات : إن حلفت بطلاقك فأنت طالق طلقت اثنتين إن كان دخل بها ; لأنه باليمين الثانية يحنث في اليمين الأولى فتطلق واحدة ، ثم باليمين الثالثة يحنث في اليمين الثانية فتطلق أخرى ; لأنها في عدته ، وإن لم يكن دخل بها لا تطلق إلا واحدة ; لأنها بانت بالأولى لا إلى عدة ; ولأن شرط الحنث في اليمين الثانية لا يوجد باليمين [ ص: 160 ] الثالثة ; لأن الشرط هو الحلف بطلاقها ، وذلك لا يتحقق في غير الملك بدون الإضافة إلى الملك ، فلهذا لا تطلق إلا واحدة .

ولو قال : عبده حر إن حلف بطلاق امرأته ، ثم قال لامرأته : أنت طالق إن شئت لا يعتق عبده ، وليس هذا بيمين ، وإن وجد الشرط والجزاء صورة بل هو مخير بمنزلة قوله : أمرك بيدك أو اختاري ، فقد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه رضي الله تعالى عنهن مع نهيه عن اليمين بالطلاق ، والدليل عليه أنه يشترط وجود المشيئة منها في المجلس ، ولو كان يمينا لم يتوقف بالمجلس كقوله : أنت طالق إن كلمت ، وكذلك إذا قال : إذا حضت حيضة لم يعتق عبده ; لأن هذا تفسير لطلاق السنة بمنزلة قوله : أنت طالق للسنة وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يعتق ; لأن هذا ليس بإيقاع لطلاق السنة بدليل أنه لو جامعها في الحيض ، ثم طهرت وقع الطلاق عليها ، ولو كان هذا كقوله للسنة لم يقع ، قلنا : هو سني من وجه فلا يحنث بالحيض وتطلق لوجود الشرط حقيقة ، وأما إذا قال لها : إذا حضت فأنت طالق ، أو إذا جاء غد فأنت طالق عتق عبده عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يعتق قال : لأن الحالف يكون مانعا نفسه من إيجاد الشرط ، وإنما يكون الكلام يمينا بذكر شرط يتصور المنع عنه ، فأما بذكر شرط لا يتصور المنع عنه لا يصير حالفا بطلاقها فلا يعتق عبده ، كما لو قال : أنت طالق غدا ، ولكنا نقول : الكلام يعرف بصيغته ، وقد وجد صيغة اليمين بذكر الشرط والجزاء ، ولم يغلب عليه غيره فكان يمينا بخلاف قوله : أنت طالق غدا ; لأنه ما ذكر الشرط والجزاء ، إنما أضاف الطلاق إلى وقت ، وبخلاف قوله : أنت طالق إن شئت أو إذا حضت حيضة ; لأنه غلب عليه معنى آخر كما بينا ، وبأن لم يكن في وسعه منع هذا الشرط لا يخرج من أن يكون يمينا ، كما لو جعل الشرط فعل إنسان آخر لا يقدر على منعه من ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث