الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب عدد حد الخمر ومن يموت من ضرب الإمام وخطأ السلطان

فصل :

وأما حكم التعزير فهو مخالف لحكم الحدود من وجهين :

أحدهما : في الوجوب والإباحة .

والثاني : في حدوث التلف عنه .

فأما الحكم الأول في الوجوب والإباحة : فالتعزير مباح يجوز العفو عنه ، والحدود واجبة لا يجوز العفو عنها .

وقال أبو حنيفة : إن كان لا يرتدع بغير التعزير ، وجب تعزيره ولم يجز العفو عنه ، وإن كان يرتدع بغيره كان على خيار الإمام في تعزيره والعفو عنه .

ودليلنا : ما روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اعدل يا رسول الله . فقال : لقد شقيت إن لم أعدل ولم يعزره ، وإن كان ما قاله يقتضيه ، وحكم بين الزبير ورجل من الأنصار في شرب بينهما ، فقال للزبير : اسق أنت ثم أرسل الماء إليه . فقال الأنصاري لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ابن عمتك ، أي : قدمته لقرابته لا بحقه فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال للزبير : احبس الماء في أرضك إلى الكعبين . [ ص: 427 ] وفيه أنزل الله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ النساء : 65 ] ولم يعزره وإن كان ما قاله يقتضيه .

ولأن التعزير تأديب ، فأشبه تأديب الأب والمعلم ، ولذلك قال عثمان ، وعبد الرحمن ، لعمر رضي الله عنهم في إجهاض المرأة : لا شيء عليك ، إنما أنت معلم .

فإذا صح جواز العفو عنه ، فهو ضربان :

أحدهما : ما تعلق بحق الله تعالى .

والثاني : ما تعلق بحقوق الآدميين .

فأما المتعلق بحقوق الله تعالى : فكالتعزير بأسباب الزنا والسرقة وشرب الخمر ، فللإمام أن ينفرد بالعفو عنه إذا رأى ذلك صلاحا له ، وله أن يستوفيه ويكون موقوفا على خياره في الصلح .

وأما المتعلق بحقوق الآدميين : فكالمواثبة والمشاتمة ، ففيه حق للمشتوم والمضروب ، وحق الإمام في التقويم والتهذيب ، فلا يصح العفو عن التعزير فيه إلا باجتماعهما عليه . فإن عفا الإمام عنه لم يسقط حق المضروب منه ، وكان له المطالبة به . وإن عفا عنه المضروب والمشتوم نظر في عفوه ، فإن كان بعد الترافع إلى الإمام لم يسقط حق الإمام فيه ، وإن كان له أن ينفرد بتعزيره إلا أن يعفو عنه .

وإن كان قبل الترافع إلى الإمام ، ففي سقوط حق الإمام منه وجهان :

أحدهما : وهو قول أبي عبيد الله الزبيري قد سقط حقه منه ، وليس له التعزير فيه ، كالعفو عن حد القذف يمنع الإمام من استيفائه .

والوجه الثاني : وهو أظهر لا يسقط حق الإمام منه : لأن التقويم فيه من حقوق المصالح العامة ، فلو تشاتما ، وتواثب والد مع ولده ، سقط تعزير الوالد في حق ولده ، ولم يسقط تعزير الولد في حق والده : لأن الوالد لا يحد لولده ، ويحد الولد لوالده . ولا يسقط حق الإمام في تعزير كل واحد منهما ، فيكون تعزير الوالد مختصا بالإمام مشتركا بين الوالد والإمام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث