الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ومن حضر منهم وكثر أو هيب أو كان ردءا ، عزر وحبس " . قال الماوردي : وهذا صحيح ، حدود الله تعالى على من باشرها دون الردء المعاون عليها بتكثير أو تهييب أو نصرة . وقال أبو حنيفة : الردء المكثر فيها ، والمهيب كالمباشر في إقامة الحد عليه . وإن قتل واحد منهم قتلوا ، وإن أخذ واحد منهم المال قطعوا : استدلالا بقوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا [ المائدة : 33 ] الآية فعم ولم يخص . وبرواية إبراهيم بن طهمان ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في ثلاث خصال : زان محصن فيرجم ، ورجل قتل متعمدا فيقتل به ، ورجل خرج على الإمام فحارب الله ورسوله ، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض فعم في المحارب ولم يفرق بين مباشر ومكثر . ومن القياس : أنه حكم يتعلق بالمحاربة ، فوجب أن يستوي فيه الردء والمباشر ، [ ص: 364 ] كالغنيمة التي يشترك في استحقاقها المقاتل والحاضر : لأنها ترغيب ، كذلك الحدود في المحاربة : لأنها ترهيب . ولأن المباشر لم يقدر على الأخذ إلا بدفع الردء المكثر ، فصار الأخذ مضافا إليه ، فوجب أن يقام الحد عليهما . ودليلنا : رواية أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة ، قالا : كنا مع عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور في الدار ، فسمع الناس فتغير لونه ، وقال : إنهم ليتواعدوني بالقتل ؟ فقلنا : يكفيهم الله يا أمير المؤمنين . قال : وبم يقتلوني ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه ، أو زنا بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس ووالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط ، ولا قتلت نفسا بغير نفس ، ولا أحببت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله له ، فبم يقتلونني ؟ وروى مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، أنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي هذا ، فقال : والذي لا إله غيره لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : الثيب الزاني ، ورجل قتل فأقيد ، والتارك للجماعة المفارق للإسلام . فدل هذان الحديثان على أن الردء لا يحل قتله : لأنه لم يوجد منه إحدى هذه الخصال الثلاث . ومن القياس : أنه حد يجب بارتكاب معصية ، فوجب أن لا يجب على المعين عليها كحد الزنا ، والقذف ، والسرقة . ولأن أبا حنيفة يقول : إن الردء لا يقتل إذا كان المباشر امرأة . فكذلك إذا كان رجلا . وتحريره قياسا : أن من لم يباشر القتل والأخذ لم يجب عليه حدهما ، كالمرأة إذا باشرت . فإن قال : المرأة لا يجري عليها حكم الحرابة . قلنا : تجري عليها عندنا حكم الحرابة ، ولأن السبب والمباشرة إذا اجتمعا وتعلق الضمان بالمباشرة سقط حكم السبب ، كالممسك والذابح وحافر البئر والدافع ، يجب الضمان على الذابح دون الممسك ، وعلى الدافع في البئر دون الحافر ، كذلك اجتماع الردء والمباشر في الحرابة . فأما الجواب عن الآية : فهو أن القتل وأخذ المال مضمران فيها ، فكأنه قال : إن يقتلوا إن قتلوا . فإن قيل : فيكون المضمر فيها أو قتل بعضهم لم يصح ذلك من وجهين : أحدهما : أنه زيادة إضمار لا يفتقر إليها الكلام . والثاني : أن إضمار ما اتفق عليه أولى من إضمار ما اختلف فيه . [ ص: 365 ] وأما الجواب عن استدلاله بحديث عائشة رضي الله عنها : فمن وجهين : أحدهما : أن راويه إبراهيم بن طهمان ، وقد حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري ، قال : قلت لمحمد بن يحيى : إبراهيم بن طهمان يحتج بحديثه . قال : لا . والثاني : أن القتل في الحرابة مضمر في الخبر ، كما كان مضمرا في الآية . وأما الجواب عن قياسهم على الغنيمة : فمن وجهين : أحدهما : إنا لا نسلم لهم أن القتل والقطع يجب بالمحاربة ، وإنما يجب القتل بالقتل ، ويجب القطع بأخذ المال . والثاني : أنه لما شارك في الغنيمة من لم يشهد الوقعة من أهل الخمس ، كان أولى أن يشارك فيها من شهدها . والحرابة لا يشارك فيها من لم يشهدها ، فلم يشارك فيها من لم يباشرها . وأما الجواب عن استدلالهم بتأثير النصرة والتكثير : فهو فاسد بالممسك والذابح ، فإذا ثبت أن لا حد على الردء المكثر والمهيب ، فعليهم التعزير أدبا وحبسا ، وقد جمع الشافعي بينهما في هذا الموضع ، وقد ذكرنا مذاهب أصحابه فيه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية