الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل :

                                                                                                                                            فإن رجع عن إقراره لم يقبل رجوعه في الغرم : لأنه من حقوق الآدميين ، وفي قبول رجوعه في سقوط القطع قولان : [ ص: 333 ] أحدهما : وهو ظاهر كلامه في هذا الموضع أنه يقبل رجوعه ويسقط عنه القطع كالزنا .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أنه لا يقبل رجوعه ويقطع ، كما لا يقبل رجوعه عن القذف في سقوط الحد ، ولأن السرقة يتعلق بها حق آدمي لا يقبل رجوعه فيه ، فكان حق الله تعالى في القطع تبعا له ، بخلاف الزنا المختص بحق الله تعالى وحده . فإن رجع عن الإقرار بشرب الخمر سقط عنه الحد قولا واحدا كالزنا : لاختصاصه بحق الله تعالى وحده .

                                                                                                                                            فإذا تقرر توجيه القولين .

                                                                                                                                            فإن قيل : بأن رجوعه غير مقبول قطع ، فإن هرب لم يطلب .

                                                                                                                                            روى عطاء بن السائب ، عن ميسرة قال : جاء رجل وأمه إلى علي عليه السلام ، فقالت الأم : إن ابني هذا قتل زوجي . فقال الابن : إن عبدي وقع على أمي . فقال علي : إن تكوني صادقة يقتل ابنك ، وإن يكن ابنك صادقا نرجمك . ثم قام علي عليه السلام للصلاة ، فقال الغلام لأمه : ما تنتظرين أن يقتلني أو يرجمك فانصرفا ، فلما صلى سأل عنهما ، فقيل : انطلقا . فلم يطلبهما . وإن قيل : إن رجوعه مقبول ، لم يخل السارق عند رجوعه من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكون قد قطع ، فلا يكون لرجوعه تأثير .

                                                                                                                                            والحال الثانية : أن يكون سليما لم يقطع ، فسقط القطع عنه ، فإن قطع بعد ذلك كانت جناية من قاطعه يؤخذ بحكم جنايته .

                                                                                                                                            والحال الثالثة : أن يكون بعد الشروع في القطع وحز السكين في يده ، فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يمكن بقاؤها على زنده بعد عمل السكين فيها ، فالواجب أن تستبقى ولا تفصل من زنده ، سواء انتفع بها أو لم ينتفع إذا لم يستضر بها .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن لا يمكن بقاؤها على زنده لانفصال أكثرها ، فلا تلزم إبانتها في حق السرقة لسقوطه عنه ، وقيل له : إن شئت أن تفعل ذلك في حق نفسك ومصلحة جسدك فافعل ، وإن تركتها على حالها لم تمنع .

                                                                                                                                            فإن أقر بالسرقة نفسان عن اشتراك فيها ، ثم رجع عنها أحدهما دون الآخر ، سقط القطع عن الراجع منهما دون الآخر : لأن لكل واحد منهما حكم نفسه وإن اشتركا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية