الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن ارتد سكران فمات كان ماله فيئا ، ولا يقتل إن لم يتب حتى يمتنع مفيقا . ( قال المزني ) : قلت : إن هذا دليل على طلاق السكران الذي لا يميز أنه لا يجوز " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال : تصح ردة السكران وإسلامه كما يصح عتقه وطلاقه .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا تصح ردته ولا إسلامه ، وإن صح عتقه وطلاقه .

                                                                                                                                            احتجاجا بأن الإسلام والكفر يتعلقان بالاعتقاد المختص بالقلب : لقول الله تعالى : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ النحل : 106 ] .

                                                                                                                                            وليس يصح من السكران اعتقاد يتعلق به كفر وإيمان ، فاقتضى أن يكون باطلا .

                                                                                                                                            قال : ولأنه لا عقل له ، فوجب أن لا تصح ردته ولا إسلامه كالمجنون .

                                                                                                                                            ودليلنا : ما انعقد عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم من تكليف السكران ، بما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الصحابة في حد الخمر ، وقال : أرى الناس قد تهافتوا واستهانوا بحده فماذا ترون ؟

                                                                                                                                            فقال علي بن أبي طالب عليه السلام : أرى أن يحد ثمانين : لأنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فيحد حد المفتري .

                                                                                                                                            فوافقه عمر والصحابة رضي الله عنهم على هذا ، وحدوه حد المفتري ثمانين . [ ص: 176 ] وجعلوا ما تلفظ به في السكر افتراء يتعلق به حد وتعزير ، وذلك من أحكام التكليف .

                                                                                                                                            ولو كان غير مكلف لكان كلامه لغوا ، وافتراؤه مطرحا ، وإذا صح تكليفه صح إسلامه وردته .

                                                                                                                                            ولأن من صح عتقه وطلاقه صحت ردته وإسلامه كالصاحي .

                                                                                                                                            ولأن الردة والإسلام لفظ يتعلق به الفرقة ، فوجب أن يصح من السكران كالطلاق .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن استدلاله بأنه لا اعتقاد له : فهو أنه يجري في أحكام التكليف مجرى من له اعتقاد وتمييز ، ولذلك وقع طلاقه وظهاره ، ولو عدم التمييز ما وقعا كالمجنون . وهو الجواب عن القياس .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية