الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب دفع الرجل عن نفسه وحريمه ومن يتطلع في بيته

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل :

فإذا ثبت جواز دفعه بالقتل وهو متفق عليه ، كانت نفسه هدرا مكلفا كان أو غير مكلف . [ ص: 452 ] وقال أبو حنيفة : إن كان آدميا كالبالغ العاقل كانت نفسه هدرا ، حرا كان أو عبدا . وإن كان غير مكلف كالصبي والمجنون ، أو كان بهيمة كالفحل الصائل ، كانت نفسه مع إباحة قتله مضمونة بدية الأذى ، وقيمة البهيمة : استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه .

وهذا المال مستهلك على مالكه بغير طيب نفس منه ، فاقتضى أن يكون مضمونا على مستهلكه ، قال : ولأنه استهلك ملك غيره لإحياء نفسه ، فوجب إذا كان بغير إذن مالكه أن يكون ملتزما لضمانه ، كالمضطر إلى طعام غيره ، وهذا أولى بالضمان : لأنه على يقين من إحياء نفسه بأكل الطعام ، وعلى غير يقين من إحياء نفسه بهذا القتل : لجواز أن يندفع عنه بغير قتل ، فلما ضمن ما يتيقن به الحياة كان أولى أن يضمن ما لا يتيقن به الحياة ، قال : ولأن البهيمة لا قصد لها : لأنها لو أتلفت شيئا وليس صاحبها معها كان هدرا : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : جرح العجماء جبار فإذا بطل قصدها سقط حكم الصول ، فصار كالقاتل لها بغير صول ، فوجب عليه الضمان .

ودليلنا : قول الله تعالى : ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم [ التوبة : 91 ] وهذا بالدفع عن نفسه محسن فوجب أن لا يكون عليه سبيل في الغرم ، وقال تعالى : ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [ الشورى : 41 ] . فإن قيل : لا ينسب إلى غير المكلف ظلم .

قيل : الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، فصار الدافع مظلوما ، وإن لم ينسب إلى المدفوع برفع القلم عنه ظلم ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه فاقتضى ظاهره : أن لا يؤخذ منه غرم ما لم تطب نفسه به .

ومن الاعتبار : أنه إتلاف بدفع مباح ، فوجب أن يسقط فيه الضمان قياسا على قتل البالغ العاقل المكلف .

فإن قيل : المعنى في المكلف : أنه قد أباح قتل نفسه بالطلب ، ولا يصح من غير المكلف إباحة نفسه بالطلب : لأنه لا حكم لقصده . [ ص: 453 ] قيل : افتراقهما من هذا الوجه لما لم يمنع من استوائهما في إباحة القتل ، لم يمنع من استوائهما في سقوط الضمان . ولأنه قتل مباح بسبب كان من الصول فوجب أن يكون هدرا كالقتل بالردة والزنا ، ولأن ما سقط به ضمان الآدمي سقط به ضمان البهيمة ، قياسا على قتل الصيد إذا صال على محرم لم يضمن بالجزاء ، كذلك البهيمة المملوكة لا تضمن بالقيمة .

فإن قيل : فقتل الصيد في الإحرام مضمون في حق الله تعالى فكان أخف حكما من المضمون في حقوق الآدميين .

قيل : لما لم يمنع هذا من استوائهما في وجوب الضمان إذا اضطر إلى إتلافها لشدة جوعه ، لم يمنع من استوائهما في سقوط الضمان إذا قتلها للدفع عن نفسه ، ولأن حرمة الآدمي أغلظ من حرمة البهيمة : لضمان نفسه بالكفارة والدية ، وانفراد ضمان البهيمة بالقيمة ، فلما سقط بالدفع ضمان الأغلظ كان أولى أن يسقط به ضمان الأخف . فأما الجواب عن قياسهم على أكل المضطر : فمن وجهين :

أحدهما : انتقاضه بالعبد إذا قتله دفاعا عن نفسه : لأنه قد أحيا نفسه بقتل مال غيره ولا يضمنه .

والثاني : أنه لو سلم من هذا النقص لكان لهذا المعنى في الطعام أنه أتلفه لمعنى في نفسه : وهو ضرورة جوعه .

والمعنى في صول الفحل : أنه قتله لمعنى في الفحل وهو مخافة صوله ، فافترقا في المعنى من هذا الوجه ، فوجب افتراقهما في الضمان ، كالعبد إذا قتله للجوع ضمنه ، ولو قتله للدفع لم يضمنه ، وكالصيد إذا قتله المحرم لجوعه ضمنه ، ولو قتله للدفع عن نفسه لم يضمنه .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن قصد البهيمة لا حكم له : فمن وجهين :

أحدهما : انتقاضه بصول الصيد على المحرم يسقط به الجزاء ، ولا يسقط عنه لو لم يصل .

والثاني : أنه لما حل قتله بصوله ولم يحل إذا لم يصل دل على سقوط الضمان بصوله إذا لم يصل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث