الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره

جزء التالي صفحة
السابق

( ومن حفر بالوعة في طريق بأمر السلطان أو في ملكه أو وضع خشبة فيها ) أي الطريق ( أو قنطرة بلا إذن الإمام ) وكذا كل ما فعل في طريق العامة ( فتعمد رجل المرور عليها لم يضمن ) لأن الإضافة للمباشر أولى من المتسبب وبهذا تبين أن المتسبب إنما يضمن في حفر البئر ووضع الحجر إذا لم يتعمد الواقع المرور كذا في المجتبى .

وفيه حفر في طريق مكة أو غيره من الفيافي لم يضمن بخلاف الأمصار .

قلت : وبهذا عرف أن المراد بالطريق في الكتب الطريق في الأمصار دون الفيافي والصحاري ; لأنه لا يمكن العدول عنه في الأمصار غالبا دون الصحاري ( ولو استأجر ) رجل ( أربعة لحفر بئر له فوقعت البئر عليهم ) جميعا ( من حفرهم فمات أحدهم فعلى كل واحد من الثلاثة الباقية ربع الدية ويسقط ربعها ) لأن البئر وقع عليهم بفعلهم فقد مات من جنايته وجناية أصحابه فيسقط ما قابل فعله خانية وغيرها .

زاد في الجوهرة وهذا لو البئر في الطريق فلو في ملك المستأجر فينبغي أن لا يجب شيء لأن الفعل مباح فما يحدث غير مضمون ا هـ . [ ص: 598 ] قلت : ويؤخذ منه جواب حادثة هي أن رجلا له كرم وأرضه تارة تكون مملوكة وعليها الخراج كأراضي بيت المال وتارة تكون للوقف وتارة تكون في يده مدة طويلة يؤدي خراجها ويملك الانتفاع بها بغرس أو غيره فيستأجر هذا الرجل جماعة يحفرون له بئرا ليغرس فيه أشجار العنب وغيره فسقط على أحدهم هل لورثته مطالبته بديته . قال المصنف : والحكم فيها أو شبهها عدم وجوب شيء على المستأجر وكذا على الأجراء كما يفيده كلام الجوهرة ويحمل إطلاق الفتاوى على ما وقع مقيدا لاتحاد الحكم والحادثة والله أعلم . [ فروع ]

لو استأجر رب الدار الفعلة لإخراج جناح أو ظلة فوقع فقتل إنسانا إن قبل فراغهم من عمله فالضمان عليهم ; لأنه حينئذ لم يكن مسلما لرب الدار ، ويضمن لو رش الماء بحيث يزلق واستوعب الطريق ولو رش فناء حانوت بإذن صاحبه فالضمان على الآمر استحسانا وتمامه في الملتقى والله تعالى أعلم .

التالي السابق


( قوله أو في ملكه ) وكذا إذا حفر في فناء له فيه حق التصرف بأن لم يكن للعامة ولا مشتركا لأهل سكة غير نافذة ملتقى ( قوله وكذا كل ما فعل في طريق العامة ) أي من إخراج الكنيف والميزاب والجرصن ، وبناء الدكان وإشراع الروشن ، وحفر البئر وبناء الظلة وغرس الشجر ورمي الثلج ، والجلوس للبيع إن فعله بأمر من له ولاية الأمر لم يضمن ، وإلا ضمن أفاده في العناية ( قوله فتعمد إلخ ) تفريع على قوله أو وضع خشبة إلخ قال الرملي : ويتعين حذفه ; لأن الضمان منتف بالتعمد المذكور ، وإن كان الوضع بإذن الإمام ا هـ لكنه يعلم بالأولى على أن هذا إنما يتأتى في قوله بلا إذن الإمام ، أما قوله فتعمد فإنه يفسد المعنى بحذفه تأمل ( قوله لأن الإضافة إلخ ) تعليل للمسألتين الأخيرتين ، وعلة الأوليين عدم التعدي في التبيين ( قوله من الفيافي ) قال في القاموس الفيف المكان المستوي أو المفازة لا ماء فيها كالفيفاة والفيفاء ويقصر جمعه أفياف وفيوف وفياف ا هـ .

( قول لم يضمن ) ; لأنه غير متعد فيه ; لأنه يملك الارتفاق بهذا الموضع نزولا وربطا للدابة وضربا للفسطاط من غير شرط السلامة ; لأنه ليس فيه إبطال حق المرور على الناس ، فكان له حق الارتفاق من حيث الحفر للطبخ أو الاستقاء فلا يكون متعديا بزازية ( قوله قلت إلخ ) من كلام المجتبى ، وقد نقل في المجتبى عن بعض الكتب تقييد الحفر في الفيافي بما إذا كان في غير ممر الناس ، ثم نقل عن كتاب آخر ، بدون هذا القيد ثم قال : قلت وبهذا عرف إلخ فالإشارة إلى ما نقله ثانيا ، وهو ما اقتصر عليه الشارح وحاصله أنه على الأول يضمن لو حفر في محجة الطريق بحيث يمر الناس والدواب عليها لا إن حفر يمنة أو يسرة بحيث لا يمر عليها ، وهو ما في البزازية ، عن المحيط وعلى الثاني : لا يضمن مطلقا لإمكان العدول من المار عن مكان الحفر قالط : ولكنه لا يظهر في نحو الظلمة والبهائم المارة فيحمل المطلق على المقيد والله تعالى أعلم بالصواب . ( قوله من حفرهم ) ومثله ما لو كانوا أعوانا له ، وأما لو كان الحافر واحدا فانهارت عليه من حفره فدمه هدر ط عن الهندية عن المبسوط ( قوله خانية ) عبارتها ; لأن البئر وقع بفعلهم ، وكانوا مباشرين والميت مباشر أيضا إلخ ( قوله فينبغي أن لا يجب شيء إلخ ) قد علمت التصريح بأن ذلك قتل مباشرة ، فيستوي فيه [ ص: 598 ] الملك وعدمه فهو بحث مخالف للمنقول ( قوله قلت إلخ ) هو للمصنف في المنح .

( قوله له كرم ) الكرم العنب قاموس ( قوله وأرضه تارة تكون مملوكة إلخ ) المراد أن أرضه لا تخلو عن أحد هذه الأشياء وليس المعنى أن هذه الأشياء تداولت على أرض واحدة ط ( قوله كأراضي بيت المال ) الكاف للتمثيل إن أريد بقوله مملوكة أي لعامة المسلمين أو للتنظير إن أريد به ملكها لمن هي في يده : أي عليها الخراج نظير أراضي بيت المال فإن أغلبها خراجية تأمل ( قوله وتارة تكون في يده إلخ ) الذي رأيته في المنح وتارة تكون للوقف وتكون في يده مدة طويلة إلخ وهذا أولى ; لأن ما تكون في يده كذلك هي أراضي بيت المال أو الوقف ( قوله يؤدي خراجها ) المناسب أجرتها ، ولو قلنا إنها لبيت المال لما في فتح القدير : إن المأخوذ الآن من أراضي مصر أجرة لا خراج ألا ترى أنها ليست مملوكة للزراع كأنه لموت المالكين شيئا فشيئا بلا وارث فصارت لبيت المال ا هـ ( قوله على الأجراء ) بمد آخره جمع أجير وفي بعض النسخ الآجر بمد أوله ، وهو الأجير ; لأنه أجر نفسه والأولى أولى ( قوله كما يفيده كلام الجوهرة ) أي السابق وهو قوله ; لأن الفعل مباح فما يحدث غير مضمون .

( قوله و يحمل إطلاق الفتاوى ) أي إطلاق الخانية وغيرها الضمان على ما وقع مقيدا في عبارة الجوهرة بقوله ، وهذا لو البئر في الطريق ، لوجود الشرط الذي ذكره الأصوليون في حمل المطلق على المقيد ، وهو اتحاد الحكم والحادثة ، والحكم هنا هو الضمان والحادثة هي الحفر في الطريق ، ونظيره صوم كفارة اليمين فإنه في الآية مطلق ، وقيد بالتتابع في قراءة ابن مسعود فيحمل المطلق على المقيد لاتحاد الحكم وهو الصوم والحادثة وهي كفارة اليمين ضرورة تعذر الجمع ، وفي هذا الكلام نظر فإنه لا نص هنا ، وتقييد الجوهرة الضمان بما إذا كان في الطريق ينافيه تصريحهم بضمان المباشر ولو في الملك ولذا قال الرملي : الظاهر أنه قاله بحثا لا نقلا ولا يخفى فساده لتصريحهم بأنه مباشرة لا تسبب ، وفي المباشرة لا ينظر إلى كون الفعل في ملكه أو لا ; كمن رمى سهما في ملكه فأصاب شخصا ، فإنه يضمن ، وإذا فقد عرفت أن الحكم في الحادثة التي تكرر وقوعها وجوب الضمان على الكيفية المذكورة على الأجراء ا هـ ملخصا ( قوله فروع إلخ ) ساقط من بعض النسخ ، وقدمنا الكلام عليها والله تعالى أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث