الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وصح نكاحه وطلاقه وعتقه ) لو بالقول لا بالفعل كشراء قريبه ابن كمال ( ورجع بقيمة العبد ونصف المسمى إن لم يطأ [ ص: 138 ] ونذره ، ويمينه ، وظهاره ، ورجعته ، وإيلاؤه وفيؤه فيه ) أي في الإيلاء بقول أو فعل ( وإسلامه ) ولو ذميا كما هو إطلاق كثير من المشايخ وما في الخانية من التفصيل فقياس ، والاستحسان صحته مطلقا فليحفظ ( بلا قتل لو رجع ) للشبهة ، كما مر في باب المرتد ( وتوكيله بطلاق وعتاق ) [ ص: 139 ] وما في الأشباه من خلافه فقياس والاستحسان وقوعه ، والأصل عندنا أن كل ما يصح مع الهزل يصح مع الإكراه لأن ما يصح مع الهزل لا يحتمل الفسخ وكل ما لا يحتمل الفسخ لا يؤثر فيه الإكراه وعدها أبو الليث في خزانة الفقه ثمانية عشر وعديناها في باب الطلاق نظما عشرين .

التالي السابق


( قوله : وصح نكاحه ) فلو أكره عليه بالزيادة بطلت الزيادة وأوجبها الطحاوي ، وقال : يرجع بها على المكره بزازية . ( قوله : لو بالقول لا بالفعل إلخ ) تبع ابن الكمال في ذكره ذلك هنا ، وصوابه ذكره بعد قوله ورجع بقيمة العبد ، لأن الفرق بينهما في الرجوع وعدمه لا في صحة العتق ، وعبارة الأشباه سالمة من هذا الاشتباه حيث قال : أكره على الإعتاق فله تضمين المكره إلا إذا أكره على شراء من يعتق عليه باليمين أو بالقرابة ا هـ .

وفي البزازية أكره على شراء ذي رحمه أو من حلف بعتقه وقيمته ألف على أن يشتري بعشرة آلاف ، فاشترى عتق ولزمه ألف لا عشرة ، لأن الواجب فيه القيمة لا الثمن ، ولا يرجع بشيء على المكره لأنه دخل في ملكه قبل ما خرج ا هـ . ( قوله : ورجع بقيمة العبد ) يعني في صورة الإكراه على الإعتاق لأنه صلح له آلة فيه من حيث الإتلاف فانضاف إليه ابن كمال والولاء للمأمور لما مر عن الأتقاني ، ويرجع بالقيمة عليه ولو معسرا لأنه ضمان إتلاف ، ولا يرجع المكره على العبد بما ضمن لوجوبه عليه بفعله ، ولا سعاية على العبد وتمامه في الزيلعي . ( قوله : ونصف المسمى إن لم يطأ ) لأن ما عليه كان على شرف السقوط بوقوع الفرقة من جهتها بمعصية كالارتداد وتقبيل ابن الزوج ، وقد تأكد ذلك بالطلاق ، فكان تقريرا للمال من هذا الوجه فيضاف تقريره إلى المكره ، والتقرير [ ص: 138 ] كالإيجاب ، فكان متلفا له فيرجع عليه ، وقيد بالمسمى ، لأنه إن لم يكن مسمى فيه رجع عليه بما لزمه من المتعة ابن كمال وقيد بقوله إن لم يطأ لأنه إن وطئ لا يرجع ، لأن المهر تقرر هنا بالدخول لا بالطلاق زيلعي ، والمراد بالوطء ما يعم الخلوة وفيه إشارة إلى أن الحامل أجنبي ، فلو كان زوجة لم يكن لها شيء عليه وهذا إذا أكرهت بالملجئ وأما بغيره فعليه نصف المهر كما في الظهيرية قهستاني . ( قوله : ونذره ) أي بكل طاعة كالصوم والصدقة والعتق وغيرها ، لأنه مما لا يحتمل الفسخ فلا يتأتى فيه أثر الإكراه قهستاني لأنه من اللاتي هزلهن جد ولا يرجع على المكره بما لزمه لأنه لا مطالب له في الدنيا فلا يطالب هو به فيها زيلعي . ( قوله : ويمينه وظهاره ) أي اليمين على الطاعة أو المعصية ، وذلك لأن اليمين والظهار لا يعمل فيهما الإكراه ، لأنهما لا يحتملان الفسخ ، فيستوي فيهما الجد والهزل زيلعي . ( قوله : ورجعته ) لأنها استدامة النكاح ، فكانت ملحقة به زيلعي .

( قوله : وإيلاؤه وفيؤه فيه ) لأن الإيلاء يمين في الحال ، وطلاق في المآل ، والفيء فيه كالرجعة في الاستدامة ولو بانت بمضي أربعة أشهر ، ولم يكن دخل بها لزمه نصف المهر ، ولا يرجع على المكره لتمكنه من الفيء في المدة وكذا الخلع لأنه طلاق أو يمين من جانب الزوج ، وكل ذلك لا يؤثر فيه الإكراه ثم إن كانت المرأة غير مكرهة لزمها البدل زيلعي . وفي البزازية أكرهت على أن قبلت من الزوج تطليقة بألف وقعت رجعية ولا شيء عليها . ( قوله : بقول أو فعل ) كذا قال أيضا في شرحه على الملتقى ، والذي في عامة الكتب كشروح الهداية وشروح الكنز والدرر والمنح تخصيصه القول ولعل وجهه كون الكلام فيما لا يؤثر فيه الإكراه من الأقوال فليس التقييد احترازيا لأن الفعل أقوى من القول فإذا لم يحتمل القول الفسخ فالفعل أولى وهكذا يقال في الرجعة تشمل القول والفعل لكن الكلام في الأقوال تأمل . ( قوله : وما في الخانية من التفصيل ) من أنه لو حربيا يصح ولو ذميا فلا ومثله في مجمع الفتاوى عن المبسوط ، وجعل المستأمن كالذمي ، وبين في المنح وجه الفرق بأن إلزام الحربي بالإسلام ليس بإكراه لأنه بحق بخلاف الذمي فإنه لا يجبر عليه . ( قوله : والاستحسان صحته مطلقا ) قال الرملي : وقد علم أن العمل على جواب الاستحسان إلا في مسائل ليست هذه منها فيكون المعول عليه ا هـ والفرق بينه وبين الكفر أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وهذا في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى لا يصير مسلما سائحاني . ( قوله : وتوكيله بطلاق وعتاق إلخ ) مقتضاه أنه لو أكره على التوكيل بالنكاح يصح وينعقد ، ولكن لم أره منقولا كذا في حاشية أبي السعود على الأشباه ، عن حاشية الشيخ صالح ، ويخالفه ما في حاشية المنح للرملي حيث قال . أقول : لم يتعرض كغيره للنكاح ، ولم أر من صرح به ، والظاهر أن سكوتهم عنه لظهور أنه لا استحسان فيه بل هو على القياس ا هـ .

أقول : علة الاستحسان تشمل جميع أنواع الوكالة ، فإنهم قالوا القياس أن لا تصح الوكالة لأنها تبطل بالهزل فكذا مع الإكراه كالبيع وأمثاله ، ووجه الاستحسان أن الإكراه لا يمنع انعقاد البيع ، ولكن يوجب فساده فكذا التوكيل ينعقد مع الإكراه ، والشروط الفاسدة لا تؤثر في الوكالة لكونها من الإسقاطات ، فإذا لم يبطل نفذ تصرف الوكيل ا هـ . ثم رأيت الرملي نفسه ذكر في حاشيته على البحر في باب الطلاق الصريح أن الظاهر أنه كالطلاق والعتاق لتصريحهم بأن الثلاث تصح مع الإكراه ، ثم ذكر ما قدمناه ثم قال : فانظر إلى علة الاستحسان [ ص: 139 ] في الطلاق تجدها في النكاح فيكون حكمها واحدا تأمل ا هـ .

ثم اعلم أن المكره يرجع على المكره استحسانا ولا ضمان على الوكيل ، ولو أكره بملجئ على توكيل هذا ببيع عبده بألف ، وعلى الدفع إليه فباع الوكيل وأخذ الثمن فهلك العبد عند المشتري ، وهو والوكيل طائعان ضمن أي الثلاثة شاء ، فإن ضمن المشتري لا يرجع بالقيمة على أحد بل بالثمن على الوكيل ، وإن ضمن الوكيل رجع على المشتري بالقيمة ، وهو عليه بالثمن ، فيتقاصان ويترادان الفضل ، وإن ضمن المكره رجع على المشتري أو على الوكيل ولو الإكراه بغير ملجئ لم يضمن المكره شيئا وإنما للمولى تضمين الوكيل القيمة ويتقاص مع المشتري بالثمن أو تضمين المشتري ، ثم لا رجوع للمشتري على أحد ا هـ ملخصا من الهندية عن المحيط . ( قوله : وما في الأشباه من خلافه ) وهو عدم الوقوع بطلاق الوكيل وإعتاقه . ( قوله : يصح مع الإكراه ) أي فيما عدا مسألة الوكالة لما علمت من خروجها عن القياس . ( قوله : لا يؤثر فيه الإكراه ) أي من حيث منع الصحة ، لأن الإكراه يفوت الرضا ، وفواته يؤثر في عدم اللزوم ، وعدمه يمكن المكره من الفسخ ، فالإكراه يمكن المكره من الفسخ بعد التحقق فما لا يحتمل الفسخ لا يعمل فيه الإكراه منح . ( قوله : وعديناها ) صوابه " عددناها " لأنه من العد لا من التعدية . ( قوله : نظما ) هو لصاحب النهر وعبارته هناك نظم في النهر ما يصح مع الإكراه فقال :

طلاق وإيلاء ظهار ورجعة نكاح مع استيلاد عفو عن العمد     رضاع وأيمان وفيء ونذره
قبول لإيداع كذا الصلح عن عمد     طلاق على جعل يمين به أتت
كذا العتق والإسلام تدبير للعبد     وإيجاب إحسان وعتق فهذه تصح مع الإكراه عشرين في العد



أقول : والتحقيق أنها خمسة عشر للتداخل ، ولأن قبول الإيداع ليس منها كما في النهر والمذكور منها في عامة الكتب عشرة نظمها ابن الهمام بقوله :

يصح مع الإكراه عتق ورجعة     نكاح وإيلاء طلاق مفارق
وفيء ظهار واليمين ونذره     وعفو لقتل شاب منه مفارق

.

وزدت عليه الخمسة الباقية بقولي :

رضاع وتدبير قبول لصلحه     كذلك إيلاد والإسلام فارق

.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث