الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في النظر والمس

جزء التالي صفحة
السابق

( وكل عضو لا يجوز النظر إليه قبل الانفصال لا يجوز بعده ) ولو بعد الموت كشعر عانة وشعر رأسها وعظم ذراع حرة ميتة وساقها [ ص: 372 ] وقلامة ظفر رجلها دون يدها مجتبى وفيه النظر إلى ملاءة الأجنبية بشهوة حرام وفي اختيار ووصل الشعر بشعر الآدمي [ ص: 373 ] حرام سواء كان شعرها أو شعر غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم " { لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة والنامصة والمتنمصة } " النامصة التي تنتف الشعر من الوجه والمتنمصة التي يفعل بها ذلك

التالي السابق


( قوله وشعر رأسها ) الأولى تأخيره عما بعده ليكون نصا في عود الضمير إلى الحرة ( قوله وعظم ذراع حرة ميتة ) احترز بالذراع عن [ ص: 372 ] عظم الكف والوجه مما يحل النظر إليه في الحياة ، وقيد بالحرة لأن ذراع الأمة يحل بالنظر إليه في حياتها بخلاف نحو عظم ظهرها . [ تنبيهات : الأول ] ذكر بعض الشافعية أنه لو أبين شعر الأمة ثم عتقت لم يحرم النظر إليه ، لأن العتق لا يتعدى إلى المنفصل ا هـ ولم أره لأئمتنا وكذا لم أر ما لو كان المنفصل من حرمة أجنبية ، ثم تزوجها ومقتضى ما ذكر من التعليل حرمة النظر إليه ، وقد يقال إذا حل له جميع ما اتصل بها فحل المنفصل بالأولى ، وإن كان منفصلا قبل زمن الحل والله تعالى أعلم . الثاني : لم أر ما لو نظر إلى الأجنبية من المرآة أو الماء وقد صرحوا في حرمة المصاهرة بأنها لا تثبت برؤية فرج من مرآة أو ماء ، لأن المرئي مثاله لا عينه ، بخلاف ما لو نظر من زجاج أو ماء هي فيه لأن البصر ينفذ في الزجاج والماء ، فيرى ما فيه ومفاد هذا أنه لا يحرم نظر الأجنبية من المرآة أو الماء ، إلا أن يفرق بأن حرمة المصاهرة بالنظر ونحوه شدد في شروطها ، لأن الأصل فيها الحل ، بخلاف النظر لأنه إنما منع منه خشية الفتنة والشهوة ، وذلك موجود هنا ورأيت في فتاوى ابن حجر من الشافعية ذكر فيه خلافا بينهم ورجح الحرمة بنحو ما قلناه والله أعلم .

الثالث : ذكر بعض الشافعية أنه كما يحرم النظر لما لا يحل يحرم التفكر فيه لقوله تعالى - { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } - فمنع من التمني كما منع من النظر ، وذكر العلامة ابن حجر في التحفة أنه ليس منه ما لو وطئ حليلته متفكرا في محاسن أجنبية حتى خيل إليه أنه يطؤها ، ونقل عن جماعة منهم الجلال السيوطي والتقي السبكي أنه يحل لحديث " { إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها } " ولا يلزم من تخيله ذلك عزمه على الزنا بها ، حتى يأثم إذا صمم على ذلك لو ظفر بها ، وإنما اللازم فرض موطوءته تلك الحسناء ، وقيل ينبغي كراهة ذلك ورد بأن الكراهة لا بد لها من دليل وقال ابن الحاج المالكي : إنه يحرم لأنه نوع من الزنا كما قال علماؤنا فيمن أخذ كوزا يشرب منه ، فتصور بين عينيه أنه خمر فشربه أن ذلك الماء يصير حراما عليه ا هـ ورد بأنه في غاية البعد ولا دليل عليه ا هـ ملخصا ولم أر من تعرض للمسألة عندنا وإنما قال في الدرر : إذا شرب الماء وغيره من المباحات بلهو وطرب على هيئة الفسقة حرم ا هـ والأقرب لقواعد مذهبنا عدم الحل ، لأن تصور تلك الأجنبية بين يديه يطؤها فيه تصوير مباشرة المعصية على هيئتها ، فهو نظير مسألة الشرب ثم رأيت صاحب تبيين المحارم من علمائنا نقل عبارة ابن الحاج المالكي ، وأقرها وفي آخرها حديث عنه صلى الله عليه وسلم " { إذا شرب العبد الماء على شبه المسكر كان ذلك عليه حراما } " ا هـ .

فإن قلت : لو تفكر الصائم في أجنبية حتى أنزل لم يفطر فإنه يفيد إباحته ؟ قلت : لا نسلم ذلك فإنه لو نظر إلى فرج أجنبية حتى أنزل لا يفطر أيضا مع أنه حرام اتفاقا ( قوله وقلامة ظفر رجلها ) أي الحرة لا بقيد كونها ميتة وهذا بناء على كون القدمين عورة كما مر ( قوله النظر إلى ملاءة الأجنبية بشهوة حرام ) قدمنا عن الذخيرة وغيرها لو كان على المرأة ثياب لا بأس بأن يتأمل جسدها ، ما لم تكن ملتزقة بها تصف ما تحتها لأنه يكون ناظرا إلى ثيابها وقامتها ، فهو كنظره إلى خيمة هي فيها ولو كانت تصف يكون ناظرا إلى أعضائها ، ويؤخذ مما هنا تقييده بما إذا كان بغير شهوة فلو بها منع مطلقا والعلة والله أعلم خوف الفتنة ، فإن نظره بشهوة إلى ملاءتها أو ثيابها وتأمله في طول قوامها ونحوه قد يدعوه إلى الكلام معها إلى غيره ، ويحتمل أن تكون العلة كون ذلك استمتاعا [ ص: 373 ] بما لا يحل بلا ضرورة ، ولينظر هل يحرم النظر بشهوة إلى الصورة المنقوشة محل تردد ولم أره فليراجع .

( قوله سواء كان شعرها أو شعر غيرها ) لما فيه من التزوير كما يظهر مما يأتي وفي شعر غيرها انتفاع بجزء الآدمي أيضا : لكن في التتارخانية ، وإذا وصلت المرأة شعر غيرها بشعرها فهو مكروه ، وإنما الرخصة في غير شعر بني آدم تتخذه المرأة لتزيد في قرونها ، وهو مروي عن أبي يوسف ، وفي الخانية ولا بأس للمرأة أن تجعل في قرونها وذوائبها شيئا من الوبر ( قوله { لعن الله الواصلة } إلخ ) الواصلة : التي تصل الشعر بشعر الغير والتي يوصل شعرها بشعر آخر زورا والمستوصلة : التي يوصل لها ذلك بطلبها والواشمة : التي تشم في الوجه والذراع ، وهو أن تغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق والمستوشمة : التي يفعل بها ذلك بطلبها والواشرة : التي تفلج أسنانها أي تحددها وترقق أطرافها تفعله العجوز تتشبه بالشواب والمستوشرة : التي يفعل بها بأمرها ا هـ اختيار ، ومثله في نهاية ابن الأثير وزاد أنه روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ليس الواصلة بالتي تعنون . ولا بأس أن تعرى المرأة عن الشعر ، فتصل قرنا من قرونها بصوف أسود وإنما الواصلة التي تكون بغيا في شبيهتها فإذا أسنت وصلتها بالقيادة والواشرة كأنه من وشرت الخشبة بالميشار غير مهموز ا هـ ( قوله والنامصة إلخ ) ذكره في الاختيار أيضا وفي المغرب .

النمص : نتف الشعر ومنه المنماص المنقاش ا هـ ولعله محمول على ما إذا فعلته لتتزين للأجانب ، وإلا فلو كان في وجهها شعر ينفر زوجها عنها بسببه ، ففي تحريم إزالته بعد ، لأن الزينة للنساء مطلوبة للتحسين ، إلا أن يحمل على ما لا ضرورة إليه لما في نتفه بالمنماص من الإيذاء . وفي تبيين المحارم إزالة الشعر من الوجه حرام إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالته بل تستحب ا هـ ، وفي التتارخانية عن المضمرات : ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث ا هـ ومثله في المجتبى تأمل



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث