الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


711 ص: حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله، قال: "دخل رجل من أصحاب النبي -عليه السلام- المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء ، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: : الوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله -عليه السلام- كان يأمر بالغسل؟".

[ ص: 467 ] قال مالك: : والرجل عثمان -رضي الله عنه-.

التالي السابق


ش: هذا مرسل، وأخرجه مالك في "موطئه" مرسلا أيضا، هكذا أكثر الرواة.

ووصله روح بن عبادة ، وإبراهيم بن طهمان ، والقعنبي في رواية إسماعيل بن إسحاق عنه، فجعلوه عن سالم عن ابن عمر -رضي الله عنهم-.

قال الترمذي: وسألت محمدا عن هذا فقال: الصحيح حديث الزهري عن سالم عن أبيه، أراد أن المسند هو الصحيح.

قوله: "أية ساعة هذه" على طريق التقريع والبيان والتعريف للداخل.

ويستفاد منه أحكام:

الأول: جواز أمر الإمام في خطبته بالمعروف ونهيه عن المنكر، وسؤاله من يحتاج سؤاله في أمور الناس، وجواب الآخر له، وأنه ليس أحد منهم لاغيا، وإنما اللاغي من أعرض عن استماع الخطبة، وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره مما يمنعه من السماع.

الثاني: فيه جواز العمل يوم الجمعة قبل النداء، والتجارة والمبايعات. وقد كان أصحاب النبي -عليه السلام- يكرهون ترك العمل يوم الجمعة كي لا يتشبه باليهود.

الثالث: فيه حجة لمن لا يرى الأوامر على الوجوب إلا بقرينة، بدليل فعل عثمان، وإقرار عمر، وترك إنكار الصحابة -رضي الله عنهم- ترك الغسل مع اعترافهم بالأمر به.

الرابع: فيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكونا بالتلطف، وترك المواجهة بخشن القول وصريح الإنكار،ألا ترى كيف قال عمر -رضي الله عنه- في الحديث الآخر: "ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟" وكثيرا ما كان النبي -عليه السلام- يفعل مثل هذا، ولا سيما لأهل الفضل ولمن لا يظن به إلا الخير، ومن له عذر.

[ ص: 468 ] الخامس: فيه دليل أن السعي إنما يجب بالنداء وبسماعه؛ حيث قال عثمان -رضي الله عنه-: "سمعت النداء"، وأن شهود الخطبة ليس بواجب.

قال القاضي: هذا على مقتضى قول أكثر أصحابنا، ولا يشترط في صحة صلاة الجمعة، على قول آخرين.

السادس: فيه دليل على جواز شهود الأخيار والفضلاء السوق، ومعاناة التجر فيه، وهكذا كان المهاجرون يعانون المتاجر؛ لأنهم لم تكن لهم حيطان ولا غلات يعتمرونها إلا بعد حين، وكانت الأنصار ينظرون في أموالهم ويعتمرونها.

السابع: فيه دليل على طلب الرزق والتعرض له والتحرف.

الثامن: هو المقصود منه ها هنا: أن فيه دليلا على أن أمره -عليه السلام- بالغسل ليوم الجمعة ليس بفرض؛ لأن عمر -رضي الله عنه- في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك، ولو كان الغسل واجبا للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به، ما لا تجزئ الصلاة إلا بالوضوء للحديث، أو بالغسل للجنب.

وفي هذا ما يوضح (أن) قوله -عليه السلام- في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم، كغسل الجنابة"، أنه وجوب سنة واستحباب وفضيلة، وأن قوله: "كغسل الجنابة"؛ أراد به الهيئة والحال، والكيفية، فمن هذا الوجه وقع التشبيه له بغسل الجنابة، لا من جهة الوجوب.

وقد أجمع علماء المسلمين قديما وحديثا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويفي عن الإكثار، ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة ومعنى الكتاب. والله أعلم بالصواب.

[ ص: 469 ] فائدة: قال أبو عمر -رضي الله عنه-: أول من دعي بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وإنما، كان يقال لأبي بكر -رضي الله عنه-: خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان السبب في ذلك أنه كتب إلى عامل العراق : أن ابعث إلي برجلين "جليدين" نبيلين نسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه عامل العراق بلبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم. فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا له: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون وهو الأمير. فوثب عمرو فدخل، فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال عمر -رضي الله عنه-: ما بدا لك يا ابن العاص في هذا الاسم؟ قال: إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك؛ أنت الأمير ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من يومئذ، وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- هو الذي [سمى]، نفسه أمير المؤمنين. والله أعلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث