الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الثالثة لو وهب الأب لابنه هبة ثم وهبها الابن لابنه

الشرط الثالث عشر: أن لا يتعلق بالهبة رغبة للغير.

صورة ذلك: أن يهب الوالد لولده هبة يرغب الناس في التعامل معه بسببها، كأن يعطيه مزارع أو دورا ونحو ذلك، فيعامله الناس طمعا في ذلك المال، كأن يزوجوه إن كان ذكرا، أو يتزوج بها إن كانت بنتا طمعا في [ ص: 149 ] المال، أو يبيعوا له، ونحو ذلك من أنواع المعاملة التي يكون الهدف منها الرغبة في ذلك المال، فهل إذا عامل الناس الولد على ذلك الأساس يفوت على الأب الرجوع فيما وهبه لولده أو لا؟.

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن المال الموهوب إن تعلقت به حقوق غير الولد جميعا فات فيه الفسخ، وإن تعلقت ببعضه فات الفسخ في ذلك البعض دون الباقي.

فلو وهب لابنه مبلغا من المال يكفي منه نصفه لتحصل الرغبة في الابن بالتزويج، أو المداينة، فإنه يرجع بالنصف الزائد.

وهذا القول هو اختيار الشيخ تقي الدين.

القول الثاني: أن ذلك يمنع الرجوع للأب.

وبه قال المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد.

القول الثالث: أن نكاح الولد الذكر بعد الهبة لا يمنع الرجوع، بخلاف الأنثى.

ذهب إليه بعض المالكية.

القول الرابع: أن ذلك لا يمنع الرجوع.

وبه قال الشافعية، وهو مقتضى قول الحنفية، وهو رواية عن الإمام [ ص: 150 ] أحمد، وبه قال ابن حزم.

الأدلة:

أدلة القول الأول: (يرجع دون ما تعلقت به الرقبة):

1- الجمع بين أدلة القول الثاني والقول الثالث الآتية.

2- أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.

أدلة القول الثاني: (أنه لا يرجع مطلقا):

1- حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ضرر ولا ضرار".

وجه الاستدلال: أن الشارع منع على الإنسان فعل ما يضر بغيره، وفي الرجوع في هذه الحال إضرار بمن تعامل مع الابن بناء على تلك الهبة، فلا يصح الرجوع.

ونوقش: بأن الرجوع في المال الذي لم تتعلق به الحقوق لا ضرر فيه.

(256) 2- ما رواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: "كتب عمر -رضي الله عنه- يعتصر الرجل من ولده ما أعطاه ما لم يمت، أو يستهلك، أو يقع في دين" (منقطع) .

ونوقش: بأنه معارض بأصح منه عن عمر -رضي الله عنه- أن المرء يرجع فيما وهب ما لم يثب إلا لذي رحم. [ ص: 151 ]

(257) 3- ولما روى ابن حزم من طريق ابن الجهم، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا أبو ثابت المديني، نا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن موسى بن سعد حدثه أن سعدا مولى الزبير نحل ابنته جارية، فلما تزوجت أراد ارتجاعها فقضى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أن الوالد يعتصر ما دام يرى ماله، ما لم يمت صاحبها فتقع في ميراث، أو تكون امرأة تنكح، ثم تلاه عثمان".

فهذا قضاء عمر وعثمان بحضرة الصحابة.

4- ولأن النكاح قد يقصد به المال.

(258) روى البخاري ومسلم من طريق سعد بن أبي سعيد، عن أبيه، [ ص: 152 ] عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "تنكح المرأة لدينها، ولمالها، ولجمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".

فإذا كان المال من أغراض النكاح، وكان أحد الزوجين قد تزوج الآخر من أجل عطية أبيه، فليس للأب أن يزيل تلك العطية، فتبطل زيادة من زاد في نكاحه من أجلها.

قال مالك: " . . . وإنما تنكحه لغناه وللمال الذي أعطاه أبوه. . . وإنما يتزوجها ويرفع في صداقها لغناها ومالها".

5- أن الموهوب قد تعلقت به حقوق غير الابن، ففي الرجوع فيه إبطال حقه، وإبطال الحق لا يكون إلا بحق.

ونوقش: بأن إبطال الحق لا يكون إلا بحق إذا تعلقت تلك الحقوق بجميع المال، أما لو تعلقت ببعضه فلا يكون الفسخ فيما زاد عن الحق فيه إبطالا للحق، فلا يفوت فيه الفسخ.

6- ولأن في هذا تحايلا على إلحاق الضرر بالمسلمين، ولا يجوز التحيل على ذلك عملا بسد الذرائع.

ويمكن أن يناقش: بأن فيه تحايلا على إبطال حقوق الناس إذا قلنا بالفوات مطلقا، أما لو قيل بالفوات الجزئي فلا يقع إبطال.

7- وللاتفاق على أنه لا رجوع له في البيع والعتق، فكذلك ما نحن فيه. [ ص: 153 ]

دليل القول الثالث: (أن نكاح الذكر لا يمنع الرجوع بخلاف الأنثى):

أن الولد الذكر دخل فيما المخرج منه بيده، بخلاف الابنة فقد دخلت في ما المخرج منه بيد غيرها.

ونوقش: بأن حق الزوجة قد تعلق بمال الزوج كما تعلق حق الزوج بمال الزوجة، بل تعلق حق الزوجة بمال الزوج أقوى; لما فيه من المداينة، ولما يجب لها من النفقة والكسوة، والسكنى في ماله، فإذا كان نكاح الابنة يمنع الاعتصار -الرجوع- فلأن يمنعه نكاح الذكر أولى.

دليل القول الرابع: الرجوع مطلقا:

حديث ابن عمر، وابن عباس -رضي الله عنهما- وفيه: قوله: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه، إلا الوالد فيما وهبه لولده".

وجه الاستدلال: أن هذا الحديث عام في جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده، فيشمل ما إذا عامل الناس الولد بسبب الهبة، فيكون للأب الرجوع فيها.

ونوقش: بأن كونها غير متعلقة بعين الموهوب غير صحيح، بل هي متعلقة به; لأن المعاملة إنما وقعت بسببها.

الترجيح:

يترجح -والله أعلم- القول الأول; لما فيه من الجمع بين الأدلة، وللإجابة عما استدل به أصحاب القولين الآخرين.

الشرط الرابع عشر: أن لا يفلس الولد.

صورة ذلك: أن يهب شخص شيئا من المال لولده فيحكم على الولد [ ص: 154 ] بالإفلاس، فهل يمنع ذلك على الأب الرجوع فيما وهبه لولده لتفليسه، وتعلق حقوق الغرماء بماله، أو لا يفوت عليه ذلك؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أن ذلك يمنع الرجوع.

وهو مقتضى رأي الصاحبين من الحنفية; لأنهما يريان الحجر على المفلس.

وهذا هو قول المالكية، وأصح القولين عند الشافعية، وإحدى الروايتين عند الحنابلة.

وحجة هذا القول:

1- بأن حقوق الغرماء قد تعلقت بالموهوب، فيمنع الرجوع على الأب.

2- وقياسا على الرهن.

القول الثاني: أن ذلك لا يمنع الرجوع.

وهو مقتضى مذهب أبي حنيفة، وهذا هو أحد القولين عند الشافعية; لأنه لا يرى الحجر بالإفلاس. [ ص: 155 ]

وحجته:

(259) 1- ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به".

والأب قد أدرك ماله عند الابن المفلس.

ونوقش من وجهين:

الأول: بما تقدم من أن حقوق الغرماء أسبق.

الثاني: أن الحديث وارد في البيع ونحوه من المعاوضات المالية إذا أدرك البائع ماله عند المفلس، ولم يأخذ ثمن سلعته، فهو أحق بها.

2- أن حق الأب أسبق من حق الغرماء، فلا يمنع الرجوع; لأن حقه يتعلق بالموهوب من حين الهبة، وحقوقهم متعلقة بالموهوب من حين التفليس، والهبة سابقة على التفليس، ولبقائها في يد الابن.

ونوقش: بعدم التسليم; إذ إن رجوع الوالد لم يحصل إلا بعد التفليس، فيكون حق الغرماء أسبق.

وأيضا: فإن الغرماء يمكن أن يكونوا عاملوه بناء على ما لديه من مال، فإذا رجع الأب كان في ذلك تغريرا وغشا.

الترجيح:

يظهر -والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول القاضي بمنع [ ص: 156 ] الأب من رجوعه فيما وهبه لولده المفلس; لأن حقوق الناس قد تعلقت بها، فلو قيل: إن له الرجوع لربما ضاعت تلك الحقوق هدرا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث