الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        والأدلة على أن هلاك الموهوب يمنع الرجوع في الهبة ما يأتي:

        أ- أن ملك الموهوب له زال بهلاك الموهوب، وفات المحل الذي يقع عليه رجوع الواهب، فتعذر الرجوع بعد الهلاك.

        ب- أن الهبة هلكت في ملك الموهوب، وهو مالك لها بعقد تبرع، وهو [ ص: 181 ] عقد لا يقتضي السلامة، بخلاف عقود المعاوضات التي تقتضي السلامة في المعقود عليه، وخلوصه للعاقد.

        ج- أن الموهوب له إذا هلك الموهوب أو استهلكه، فإن ذلك يعتبر منه تصرفا في عين مملوكة له، ولا وجه لتضمينه لغيره فيما يفعله لنفسه.

        د- الهلاك الحكمي يلتحق بالهلاك الحقيقي في امتناع الرجوع; لأن الموهوب الهلاك أصبح متعذرا لتغيره، وعدم بقائه على حالته الأولى التي كان عليها وقت الهبة، والشيء يعتبر هالكا بزوال صورته، وفقد مشخصاته، وتغير اسمه.

        وأما عدم الرجوع في قيمة الموهوب فلأنها ليست موهوبة; لانعدام ورود العقد عليها.

        فرع: هلاك بعض الموهوب:

        ومما يتصل بهذه المسألة أن الموهوب إذا هلك بعضه، فإن الواهب يجوز له الرجوع في الجزء الباقي الذي لم يهلك.

        قال السرخسي في المبسوط: "فهدم بناءها كان له أن يرجع في الأرض، وكذلك في غير الدار إذا استهلك بعض الهبة ببيع أو غيره وبقي بعضها كان له أن يرجع في الباقي اعتبارا للبعض بالكل; وهذا لأن ما فعله من هدم البناء نقصان في الأرض وليس بزيادة".

        والضابط لذلك: أن امتناع الرجوع في الهبة يتقدر بقدره، أي: أن الواهب يرجع في الهبة في القدر الذي لم يمنع منه مانع، ولا يرجع فيما قام به مانع من موانع الرجوع. [ ص: 182 ]

        فإذا هلك بعض الموهوب جاز الرجوع في الباقي.

        5- الزوجية وقت الهبة، فلو وهب الزوج لزوجه لم يرجع، باتفاق الفقهاء.

        قال السرخسي: "وإن وهب لامرأته هبة، ثم أبانها فليس له أن يرجع فيها; لأن الهبة لما كانت في حال قيام الزوجية بينهما عرفنا أنه لم يكن مقصوده العوض؛ فلهذا لا يرجع فيها".

        وقال ابن قدامة: "فحصل الاتفاق على أن هبة الإنسان لذوي رحمه غير ولده لا رجوع فيها، وكذلك ما وهب الزوج لامرأته، والخلاف فيما عدا هؤلاء".

        ولو وهب لامرأة ثم تزوجها له الرجوع، ولو وهبت لرجل ثم تزوجته لها الرجوع عند الحنفية.

        وأما رجوع الزوجة على زوجها، فتقدم بحثه في مسألة رجوع الزوجة.

        6- القرب، فلو وهب لذي رحم منه نسبا، ولو ذميا أو مستأمنا لا يرجع، ولو وهب لمحرم بلا رحم كأخيه رضاعا ولو ابن عمه، ولمحرم بالمصاهرة كأمهات النساء والربائب رجع.

        والمراد بالقرب: القرابة المحرمية: وهي قرابة شخصين لو فرض أحدهما ذكرا، والآخر أنثى لم يحل التناكح بينهما.

        والمراد هنا غير الوالد والولد، أي: الرجوع في هبة المحارم غير الوالدين. [ ص: 183 ]

        وبقية المذاهب: على أن القرابة المحرمية بين الواهب والموهوب له من موانع الرجوع في الهبة، فإذا وهب لأحد أقاربه، كأخيه مثلا فلا يجوز له الرجوع.

        قال المروزي: "واختلفوا في الرجوع في الهبة إذا كانت لغير ذي رحم محرم، وأجمعوا على أنها إذا كانت لذي رحم محرم، فلا رجوع في الهبة فيها".

        وأما لو وهب لقريب ذي رحم غير محرم كأولاد الأعمام، والأخوال، أو وهب لمحرم غير ذي رحم كالمحرم بالمصاهرة والرضاع، فإنه يجوز الرجوع في هبته عند الحنفية، وذلك إما لقصور معنى الصلة في هذه القرابة، أو لانعدام هذه الصلة أصلا.

        قال الزيلعي: "فلو وهب لذي رحم محرم منه لا يرجع فيها".

        وقال الباجي: "من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة يريد أن يقصد بها القربة، فإنه لا يرجع فيها، يريد أنها لازمة له ليس له الرجوع فيها، سواء قبضت منه، أو لم تقبض".

        التالي السابق


        الخدمات العلمية