الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        القول الثاني: أن الرجوع في الهبة بعد القبض جائز مع الكراهة بشرط انتفاء موانع الرجوع السابقة.

        ومنها: أن لا تكون الهبة لذي رحم محرم، فإن كانت لذي رحم محرم لم يجز.

        قال به الحنفية.

        واختلف الحنفية في الكراهة: فقيل: تحريما، وقيل: تنزيها .

        ولكن يشترط للرجوع: أن يكون الرجوع بإذن الموهوب له، أو بقضاء قاض، وإلا فلا يصح.

        الأدلة:

        استدل أصحاب القول الثاني بما يلي:

        1- قول الله قال: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها .

        وجه الاستدلال من الآية: هو أن من معاني التحية: السلام، والثناء، والهدية بالمال، والهدية بالمال متعينة بقرينة قوله تعالى: أو ردوها ; لأن [ ص: 93 ] الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض، والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل، وفي هذا رد الهبة، والرجوع فيها.

        ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:

        الوجه الأول: أن الاستدلال بهذه الآية -على التسليم بأن المعنى المذكور هنا مراد- ينتج إما وجوب رد الهبة أو الندب إلى ذلك; لأن رد التحية فيها أتى بصيغة الأمر، ولم يقل أصحاب هذا الرأي بأي من المعنيين.

        الوجه الثاني: أن الأمر فيها موجه إلى المحيا لا إلى من صدرت منه التحية، فالاستدلال بها -هنا- مقلوب.

        الوجه الثالث: أنه على التسليم أنها في الهبة إنما وردت في الهبة التي يراد بها العوض، وهذه ليست موضع البحث; لأن موضع البحث الهبة بغير الثواب.

        الوجه الرابع: أن هذا المعنى غير مسلم أصلا، بل المراد بالتحية هنا السلام.

        2- ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تهادوا تحابوا".

        وجه الدلالة: أن التفاعل يقتضي الفعل من الجانبين، فكان له الرجوع إذا لم يحصل مقصوده، كالمشتري إذا وجد بالمبيع عيبا يرجع بالثمن لفوات مقصوده، وهو صفة السلامة في المبيع، والمقصود من الهبة العوض.

        ونوقش الاستدلال بهذا: أن الحديث لا يدل على جواز الرجوع فيها بالمنطوق، ولا بالمفهوم، وإنما المراد به الأمر بأن يهدي المسلم لأخيه، [ ص: 94 ] وأن يكثر من الإهداء المتبادل; لتحصل المحبة، وعدم التعويض عن الهبة ليس عيبا، بل إن عوض فخير، وإلا فلا ملامة عليه، كما لا يسلم أن المقصود من الهبة التعويض، ومن ثم يصح قياسه على المبيع.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية