الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " فإذا سرق الثالثة ، قطعت يده اليسرى من مفصل الكف ثم حسمت بالنار . فإذا سرق الرابعة ، قطعت رجله اليمنى من مفصل الكعب ثم حسمت بالنار " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : يقطع السارق في الثالثة والرابعة ، فتقطع في الثالثة يده اليسرى ، وتقطع في الرابعة رجله اليمنى ، وبه قال مالك وإسحاق . [ ص: 322 ] وقال أبو حنيفة : لا أقطعه بعد الثانية ، ويحبس بعد التعزير حتى يتوب . وبه قال الثوري وأحمد بن حنبل : استدلالا بقول الله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ المائدة : 38 ] ، والإضافة إلى الاثنين بلفظ الجمع تقتضي واحدا من الاثنين ، كما قال تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما [ التحريم : 4 ] ، فكان المراد قلبا من كل واحدة .

وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه أتي بسارق مقطوع اليد والرجل ، فلم يقطعه ، وقال : إني لأستحي من الله أن لا أدع له يدا يأكل بها ، ورجلا يمشي عليها . وأن كل عضو لا يقطع في السرقة الثانية ، لم يقطع في السرقة بحال كاللسان والأنف ، ولأن في قطع اليسرى استيفاء منفعة الجنس ، فوجب أن لا تقطع في السرقة كالسرقة الثانية ، ولأن اليد اليسرى أقرب إلى اليمنى من الرجل اليسرى ، والسرقة الثانية أقرب إلى الأولى من الثالثة ، فلما لم يجز قطعها في الثانية مع قربها من اليمنى ، وقربها من السرقة الأولى كان أولى أن لا تقطع في الثالثة : لأن السرقة إذا تكررت ضعفت ، وإذا تقدمت غلظت .

ودليلنا : قول الله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ المائدة : 38 ] ، فاقتضى هذا الظاهر من لفظ الجمع أن تقطع اليدين : لأمرين :

أحدهما : أنه قد يعبر عن الاثنين بلفظ الجمع .

والثاني : أنهما أقرب إلى الجمع من الواحد ، وليس في قوله : فقد صغت قلوبكما [ التحريم : 4 ] ، دليل : لأنه ليس في الجسد إلا قلب واحد ، فعلمنا أنه ترك الظاهر ، وهذا انفصال ، ويدل عليه حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سرق السارق فاقطعوا يده ، فإن عاد فاقطعوا رجله ، فإن عاد فاقطعوا يده ، فإن عاد فاقطعوا رجله وهذا نص .

وروى هشام بن عروة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطع يده ، ثم أتي به وقد سرق فقطع رجله ، ثم أتي به وقد سرق فقطع يده ، ثم أتي به وقد سرق فقطع رجله ، ثم أتي به وقد سرق فأمر به فقتل فإن قيل : ففيه القتل في الخامسة وهو منسوخ ، فلم يصح الاجتماع به . قيل : نسخ بعض الحديث لا يقتضي نسخ باقيه .

وروى أيوب ، عن نافع ، أن أقطع اليد والرجل نزل على أبي بكر رضي الله عنه فسرق ، فقطع يده . [ ص: 323 ] وروى عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قطع بعد يد ورجل يدا . ومن القياس : أن كل يد جاز قطعها قودا جاز قطعها حدا كاليمنى ، وكل رجل قطعت قودا جاز قطعها حدا كاليسرى . ولأن الإمام لو أخطأ فقطع اليد اليسرى في السرقة سقط بها قطع اليمنى . فتقول : ما سقط الحد بقطعه جاز أن يكون قطعه مستحقا ، كاليمنى .

ولأن كل حكم ثبت لليد اليمنى والرجل اليسرى ، ثبت لليد اليسرى والرجل اليمنى .

أصله : الدية والقود والطهارة .

فأما الجواب عن حديث علي عليه السلام : فقد عارضه فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .

وأما الجواب عن قياسه على اللسان والأنف مع فساد موضوعه : فهو أنه لو قطع لم يسقط به الحد ، ولم يجز قطعه في الحد بخلاف اليد .

وأما الجواب عن قياسهم بما فيه من استيفاء منفعة الجنس : فمن وجهين :

أحدهما : أنه لم يمنع ذلك في القود ، فلم يمنع في الحد .

والثاني : أنه لما لم يمنع ذلك من القتل ، كان أولى أن لا يمنع ما دون القتل .

وأما الجواب عن قولهم : إنها في الثانية أقرب ، وإذا تكررت السرقة خفت ، فهو إثبات اعتبار الثانية بالقطع في الحرابة من خلاف ، فكان ذلك اعتلالا يدفع عنه هذا التعليل ، كذلك السرقة . وادعاؤهم خفة السرقة إذا تكررت فغير مسلم : لأن قطع الرجل في الثانية أغلظ من قطع اليد في الأولى : لأنها أغلظ مفصلا وأكثر زمانة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث