الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في خشية الله عز وجل وشدة الخوف من عقابه

4949 [ ص: 96 ] باب في خشية الله عز وجل، وشدة الخوف من عقابه

وذكره النووي، في: (باب سعة رحمة الله تعالى، وأنها تغلب غضبه).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 70، 71 ج17، المطبعة المصرية

(عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ قال: قال رجل، لم يعمل حسنة قط، لأهله: إذا مات، فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر. فوالله! لئن قدر الله عليه: ليعذبنه عذابا، لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات الرجل، فعلوا ما أمرهم. فأمر الله البر: فجمع ما فيه. وأمر البحر: فجمع ما فيه. ثم قال: لم فعلت هذا ؟ قال: من خشيتك، يا رب! وأنت أعلم. فغفر الله له.

وفي رواية أخرى يرفعه، بلفظ، قال: « أسرف رجل على نفسه. فلما حضره الموت: أوصى بنيه؛ فقال: إذا أنا مت، فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح. فوالله لئن قدر علي ربي، ليعذبني عذابا، ما عذبه أحدا». قال: «ففعلوا ذلك به. فقال للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: خشيتك، يا رب! - أو قال: مخافتك - فغفر له بذلك»).

[ ص: 97 ]

التالي السابق


[ ص: 97 ] (الشرح)

فيه: أن خشية الله سبحانه، سبب قوي من أسباب المغفرة. وأن رحمته: سابقة على غضبه. وعفوه: غالب على سخطه.

وقد قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله .

وهذا الرجل، كان قد أسرف على نفسه. أي: بالغ وعلا في المعاصي. «والسرف»: مجاوزة الحد.

قال النووي: اختلف العلماء، في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد: نفي قدرة الله. فإن الشاك في قدرة الله، كافر. وقد قال في آخر الحديث: «إنه إنما فعل هذا، من خشية الله». والكافر لا يخشى الله تعالى، ولا يغفر له. قال هؤلاء: فيكون له تأويلان ؛ أحدهما، أن معناه: «لئن قدر علي العذاب». أي: قضاه. يقال منه «قدر»: بالتخفيف. وقدر: بالتشديد. بمعنى واحد.

والثاني: أن «قدر» هنا، بمعنى ضيق علي. قال الله تعالى: فقدر عليه رزقه . وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: فظن أن لن نقدر عليه .

[ ص: 98 ] وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره. ولكن قاله هذا الرجل، وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها. بل قاله في حالة غلب عليه فيها: الدهش والخوف، وشدة الجزع. بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي.

وهذه الحالة: لا يؤاخذ فيها. وهو نحو قول القائل الآخر، الذي غلب عليه الفرح - حين وجد راحلته -: «أنت عبدي، وأنا ربك». فلم يكفره بذلك الدهش، والغلبة، والسهو.

وقد جاء في هذا الحديث، في غير مسلم: «فلعلي أضل الله» أي: أغيب عنه. وهذا يدل على أن قوله: «لئن قدر الله علي» على ظاهره.

وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها. يسمونه: مزج الشك باليقين. كقوله تعالى: وإنا أو إياكم لعلى هدى . فصورته: صورة شك. والمراد به: اليقين.

وقالت طائفة: هذا الرجل، جهل صفة من صفات الله تعالى. وقد اختلف العلماء: في تكفير جاهل الصفة.

قال عياض: وممن كفره بذلك: ابن جرير الطبري. وقاله أبو الحسن الأشعري أولا.

[ ص: 99 ] وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها. وإليه رجع الأشعري. وعليه استقر قوله. لأنه لم يعتقد ذلك، اعتقادا يقطع بصوابه، ويراه دينا وشرعا. وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق.

قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلا.

وقالت طائفة: كان هذا الرجل (في زمن فترة)، حين ينفع مجرد التوحيد. ولا تكليف قبل ورود الشرع، على المذهب الصحيح. لقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .

وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن، «شرعهم فيه»: جواز العفو عن الكافر، بخلاف شرعنا. وذلك من مجوزات العقول، عند أهل السنة.

وإنما منعناه في شرعنا: بالشرع. وهو قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به . وغير ذلك من الأدلة. والله أعلم.

وقيل: إنما وصى بذلك، تحقيرا لنفسه، وعقوبة لها: لعصيانها، وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى. انتهى.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث