الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب السادس في وضعه صلى الله عليه وسلم والنور الذي خرج معه وتدلي النجوم له ونزوله ساجدا على الأرض بيديه وما رأته قابلته الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه من الآيات

                                                                                                                                                                                                                              عن أبي العجفاء رحمه الله تعالى مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور فضاءت له قصور بصرى".

                                                                                                                                                                                                                              رواه ابن سعد ورجاله ثقات.

                                                                                                                                                                                                                              بصرى - بباء موحدة مضمومة فصاد مهملة ساكنة فألف مقصورة - والمراد بها هنا بلد بالشام من أعمال دمشق. قال في المسكة الفائحة: وفي تخصيص بصرى لطيفة، وهي أنها أول موضع من بلاد الشام دخلها ذلك النور المحمدي، وكذلك هي أول ما افتتح من بلاد الشام .

                                                                                                                                                                                                                              وبصرى أيضا من قرى بغداد.

                                                                                                                                                                                                                              وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدته قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورا وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن علي، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له الدار والبيت حتى جعلت لا أرى إلا نورا.

                                                                                                                                                                                                                              وعن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني عند الله لخاتم النبيين" الحديث وفيه رؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام .

                                                                                                                                                                                                                              رواه الإمام أحمد والبزار والحاكم وابن حبان وصححاه.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن حبان عن حليمة رضي الله تعالى عنها عن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: إن لابني هذا لشأنا أني حملت به فلم أجد حملا قط كان أخف علي ولا أعظم بركة [ ص: 342 ] منه، ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد وبن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آمنة قالت: لما فصل مني ابني محمد صلى الله عليه وسلم خرج منه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة. رحمه الله تعالى قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نورا.

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد وابن سعد بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قلت: يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ".

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي بأسانيد له متعددة عن آمنة أنها قالت: لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع جاثيا على ركبتيه معتمدا على الأرض بيديه، ثم أخذ قبضة من تراب وقبضها ورفع رأسه إلى السماء، وأضاءت له قصور الشام وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى.

                                                                                                                                                                                                                              وإنما أضاءت قصور بصرى بالنور الذي خرج منه إشارة إلى ما خص الشام من نبوته صلى الله عليه وسلم، فإنها دار مجده وملكه كما ذكره كعب أن في الكتب السابقة: محمد رسول الله مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام .

                                                                                                                                                                                                                              وقد وردت أحاديث في فضل الشام ، ذكر بعضها الحافظ المنذري في كتاب "الترغيب والترهيب".

                                                                                                                                                                                                                              وقال بعضهم: أضاءت قصور بصرى إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم. ينور البصائر ويحيي القلوب الميتة.

                                                                                                                                                                                                                              وفي خروج هذا النور معه صلى الله عليه وسلم حين وضعته إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وزال به ظلمة الشرك منها. كما قال الله تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم . قال الإمام أبو شامة رحمه الله تعالى: وقد كان هذا النور الذي ظهر وقت ولادته صلى الله عليه وسلم قد اشتهر في قريش وكثر ذكره فيهم، وإلى ذلك أشار عمه العباس رضي الله تعالى عنه في أبياته السابقة حيث قال في حقه صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا:

                                                                                                                                                                                                                              وأنت لما ولدت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق     فنحن في ذلك الضياء وفي النو
                                                                                                                                                                                                                              ر وسبل الرشاد نخترق

                                                                                                                                                                                                                              ويرحم الله تعالى القائل. [ ص: 343 ]

                                                                                                                                                                                                                              لما استهل المصطفى طالعا     أضاء الفضا من نوره الساطع
                                                                                                                                                                                                                              وعطر الكون شذا عطره الط     يب من دان ومن شاسع
                                                                                                                                                                                                                              ونادت الأكوان من فرحة     يا مرحبا بالقمر الطالع

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن موسى بن عبيدة رحمه الله تعالى عن أخيه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع على الأرض وقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء وقبض قبضة من تراب، فبلغ ذلك رجلا من لهب فقال لصاحبه: انجه لئن صدق الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد وأبو نعيم بسند قوي عن حسان بن عطية - رحمه الله تعالى: - ورضي عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ولد وقع على كفيه وركبتيه شاخصا ببصره إلى السماء. زاد السهيلي : مقبوضة أصابع يده مشيرا بالسبابة كالمسبح بها.

                                                                                                                                                                                                                              قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الجوجري رحمه الله تعالى: وفي رفع بصره صلى الله عليه وسلم في تلك الحال إشارة وإيماء إلى ارتفاع شأنه وعلو قدره وأنه يسود الخلق أجمعين، وكان هذا من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أول فعل وجد منه في أول ولادته، وفيه إشارة وإيماء لمن له تأمل إلى أن جميع ما يقع له من حين يولد إلى حين يقبض صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه العقل فإنه صلى الله عليه وسلم لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين، علي الشأن على المخلوقات. وفي رفعه صلى الله عليه وسلم رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد وأنه لا يتوجه قصده إلا إلى جهات العلو دون غيرها مما لا يناسب قصده.

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن الجوزي في "الوفا" عن أبي الحسين بن البراء - مرسلا - رحمه الله تعالى قال: قالت آمنة وجدته جاثيا على ركبتيه ينظر إلى السماء، ثم قبض قبضة من الأرض وأهوى ساجدا.

                                                                                                                                                                                                                              قال بعض أهل الإشارات: لما ولد عيسى صلى الله عليه وسلم قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا فأخبر عن نفسه بالعبودية والرسالة، ونبينا صلى الله عليه وسلم وضع ساجدا وخرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، وقبض قبضة من تراب ورفع رأسه إلى السماء فكانت عبودية عيسى المقال، وعبودية محمد صلى الله عليه وسلم الفعال، ورسالة عيسى بالإخبار، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم بظهور الأنوار. [ ص: 344 ] وفي سجوده صلى الله عليه وسلم عند وضعه إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب، قال الله تعالى: واسجد واقترب

                                                                                                                                                                                                                              وقال صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"

                                                                                                                                                                                                                              فحال عيسى عليه الصلاة والسلام يشير إلى مقام العبودية، وحال محمد صلى الله عليه وسلم يشير إلى مقام القرب من الحضرة الإلهية. ولبعضهم:

                                                                                                                                                                                                                              لك القرب من مولاك يا أشرف الورى     وأنت لكل المرسلين ختام
                                                                                                                                                                                                                              وأنت لنا يوم القيامة شافع     وأنت لكل الأنبياء إمام
                                                                                                                                                                                                                              عليك من الله الكريم تحية     مباركة مقبولة وسلام

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه عن أمه الشفاء بنت عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنها قالت: لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي فاستهل، فسمعت قائلا يقول: رحمك الله أو رحمك ربك فأضاء ما بين المشرق والمغرب حتى إني نظرت إلى بعض قصور الروم . قالت: ثم ألبسته وأضجعته فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة عن يميني فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به. قال: إلى المغرب وأسفر عني ذلك. ثم عاودني ذلك الرعب والقشعريرة عن يساري فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق. قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله تعالى.

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية