الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الدر المختار ( الْعُضْوُ ) يَعْنِي الْجُزْءَ ( الْمُنْفَصِلَ مِنْ الْحَيِّ ) حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فَيَنْصَرِفُ لِلْكَامِلِ كَمَا حَقَّقَهُ فِي تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ . قُلْت : لَكِنْ ظَاهِرُ الْمَتْنِ التَّعْمِيمُ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ فَتَأَمَّلْهُ ( كَمَيْتَتِهِ ) كَالْأُذُنِ الْمَقْطُوعَةِ وَالسِّنِّ السَّاقِطَةِ إلَّا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَطَاهِرٌ وَإِنْ كَثُرَ أَشْبَاهٌ مِنْ الطَّهَارَةِ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي تَنْوِيرِ الْبَصَائِرِ ( إلَّا ) ( مِنْ مَذْبُوحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ لَوْ مِنْ ) الْحَيَوَانِ ( الْمَأْكُولِ ) لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْحَيَاةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا بَزَّازِيَّةٌ . قُلْت : لَكِنْ يُكْرَهُ كَمَا مَرَّ وَحَرَّرْنَا فِي الطَّهَارَةِ قَوْلُ الْوَهْبَانِيَّةِ : وَقَدْ حَلَّلَا لَحْمَ الْبِغَالِ وَأُمُّهَا مِنْ الْخَيْلِ قَطْعًا وَالْكَرَاهَةُ تُذْكَرُ وَإِنْ يَنْزُ كَلْبٌ فَوْقَ عَنْزٍ فَجَاءَهَا نِتَاجٌ لَهُ رَأْسٌ كَكَلْبٍ فَيُنْظَرُ فَإِنْ أَكَلَتْ لَحْمًا فَكَلْبٌ جَمِيعُهَا وَإِنْ أَكَلَتْ تِبْنًا فَذَا الرَّأْسُ يُبْتَرُ وَيُؤْكَلُ بَاقِيَهَا وَإِنْ أَكَلَتْ لِذَا وَذَا فَاضْرِبْنَهَا وَالصِّيَاحُ يُخْبِرُ وَإِنْ أَشْكَلَتْ فَاذْبَحْ فَإِنْ كَرِشُهَا بَدَا فَعَنْزٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَلْبٌ فَيُطْمَرُ وَفِي مُعَايَاتِهَا : وَأَيُّ شِيَاهٍ دُونَ ذَبْحٍ يُحِلُّهَا وَمِنْ ذَا الَّذِي ضَحَّى وَلَا دَمَ يَنْهَرُ رد المحتار ( قَوْلُهُ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ ) أَيْ غَيْرَ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ ، وَالْمُرَادُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ اللَّحْمِ ، فَلَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِجِلْدِهِ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِاللَّحْمِ حَيْثُ يُؤْكَلُ كَمَا فِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ، وَأَطْلَقَ الْحَيَّ فَشَمِلَ الصَّيْدَ . وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ عَنْ الْمُلْتَقَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَقَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ وَلَمْ يُبِنْهُ ، فَإِنْ اُحْتُمِلَ الْتِئَامُهُ أَكَلَ الْعُضْوَ أَيْضًا وَإِلَّا لَا ( قَوْلُهُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحَيِّ ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْحَيِّ بَعْدَ الذَّبْحِ ، فَإِنَّ الْمُنْفَصِلَ مِنْهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ لِكَوْنِهَا حَيَاةً حُكْمِيَّةً ا هـ ح . وَاحْتَرَزَ بِهِ فِي صَيْدِ الْهِدَايَةِ عَنْ الْمُبَانِ مِنْ الْحَيِّ صُورَةً لَا حُكْمًا بِأَنْ يَبْقَى فِي الْمُبَانِ مِنْهُ حَيَاةً كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ فَيُؤْكَلُ الْكُلُّ . وَفِي الْعِنَايَةِ : وَلَا يُؤْكَلُ الْعُضْوُ إنْ أَمْكَنَ حَيَاتُهُ بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَلَا يُؤْكَلُ ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَبَانَ الرَّأْسَ أُكِلَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مُنْفَصِلًا مِنْ حَيٍّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بَلْ حَقِيقَةً فَقَطْ لِأَنَّهُ عِنْدَ الِانْفِصَالِ مَيِّتٌ حُكْمًا ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الصَّيْدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( قَوْلُهُ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمَتْنِ التَّعْمِيمُ ) يَعْنِي تَعْمِيمَ الْحَيِّ فِي الْحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ، وَفِي الْحَيِّ حُكْمًا فَقَطْ . فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُنْفَصِلَ مِنْ الْمَذْبُوحِ مَيْتَةً لَكِنَّهُ يَخْرُجُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْآتِي فَلَا مُخَالَفَةَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ ، غَايَتُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ عَلَى الْأَوَّلِ مُتَّصِلٌ عَلَى الثَّانِي ا هـ ح ( قَوْلُهُ وَالسِّنُّ السَّاقِطَةُ ) تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّ الْمَذْهَبَ طَهَارَةُ السِّنِّ ا هـ ح ( قَوْلُهُ وَإِنْ كَثُرَ ) أَيْ زَادَ عَلَى وَزْنِ الدِّرْهَمِ ، فَلَوْ صَلَّى بِهِ وَهُوَ مَعَهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُنْفَصِلِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ مَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ كَمَا لَا يَخْفَى ( قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَقَطْعُ الرَّأْسِ وَالسَّلْخِ قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ ا هـ ح ( قَوْلُهُ وَحَرَّرْنَا فِي الطَّهَارَةِ ) أَيْ قُبَيْلَ التَّيَمُّمِ ، وَاَلَّذِي حَرَّرَهُ هُنَاكَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِغَلَبَةِ الشَّبَهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِحِلِّ ذِئْبٍ وَلَدَتْهُ شَاةٌ اعْتِبَارًا لِلْأُمِّ ا هـ ح ( قَوْلُهُ وَأُمُّهَا مِنْ الْخَيْلِ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، فَلَوْ أُمُّهَا أَتَانٌ لَا تُؤْكَلُ اتِّفَاقًا ( قَوْلُهُ وَالْكَرَاهَةُ تُذْكَرُ ) أَيْ عِنْدَهُمَا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا فِي الذَّخِيرَةِ . وَفَهِمَ الطَّرَسُوسِيُّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ ، وَنَازَعَهُ النَّاظِمُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا نَصَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ ، وَعِنْدَهُمَا إلَى الْحِلِّ أَقْرَبُ . وَرَجَحَ ابْنُ الشِّحْنَةِ الْأَوَّلَ بِمَسْأَلَةِ الشَّاةِ إذَا نَزَا عَلَيْهَا ذِئْبٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِلَا كَرَاهَةٍ . قَالَ : لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ وَالْبَغْلُ لَا يُؤْكَلُ وَلَمْ يُفَصِّلْ ، وَمَا سَيَأْتِي مِنْ التَّعْوِيلِ عَلَى الشَّبَهِ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ لِأَنَّ الْبَغْلَ أَشْبَهُ بِالْحِمَارِ مِنْ الْفَرَسِ ا هـ . أَقُولُ : الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ، لِمَا مَرَّ أَنَّ كَرَاهَةَ الْفَرَسِ عِنْدَهُمَا تَنْزِيهِيَّةٌ فَكَذَا وَلَدُهَا وَأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالشَّبَهِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَإِنْ يَنْزُ إلَخْ ) يُقَالُ نَزَا الْفَحْلُ إذَا وَثَبَ عَلَى الْأُنْثَى فَوَاقَعَهَا وَالنِّتَاجُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ يَشْمَلُ وَضْعَ الْبَهَائِمِ مِنْ الْغَنَمِ وَغَيْرِهَا شَارِحٌ ( قَوْلُهُ فَإِنْ أَكَلَتْ إلَخْ ) تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ فَيُنْظَرُ . وَتِبْنًا بِتَقْدِيمِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَبْتًا بِتَأْخِيرِهَا وَتَقْدِيمِ النُّونِ ، وَالْبَتْرُ الْقَطْعُ : أَيْ يُقْطَعُ الرَّأْسُ وَيُرْمَى وَيُؤْكَلُ الْبَاقِي ( قَوْلُهُ وَالصِّيَاحُ يُخْبِرُ ) أَيْ فَإِنْ نَبَحَ لَا يُؤْكَلُ ، وَإِنْ ثَغَا يُرْمَى رَأْسُهُ وَيُؤْكَلُ الْبَاقِي ( قَوْلُهُ وَإِنْ أَشُكِلَتْ ) بِأَنْ نَبَحَ كَالْكَلْبِ وَثَغَا كَالْعَنْزِ ( قَوْلُهُ فَعَنْزٌ ) أَيْ فَيُؤْكَلُ مَا سِوَى رَأْسُهُ ( قَوْلُهُ وَإِلَّا ) بِأَنْ خَرَجَ لَهُ أَمْعَاءٌ بِلَا كَرِشٍ . وَالطَّمْرُ : الدَّفْنُ فِي الْأَرْضِ . هَذَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ اعْتِبَارَ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فَبَعْدَ وُضُوحِ عَلَامَةِ الْأَكْلِ لَا يُعْتَبَرُ الصِّيَاحُ مُطْلَقًا ، وَبَعْدَ وُضُوحِ عَلَامَةِ الصِّيَاحِ لَا يُعْتَبَرُ مَا فِي الْجَوْفِ مُطْلَقًا ، وَعَلَيْهِ فَإِذَا أَكَلَ لَحْمًا وَثَغَا أَوْ ظَهَرَ لَهُ كَرِشٌ لَا يُؤْكَلُ ، وَإِذَا أَكَلَ تِبْنًا وَنَبَحَ أَوْ ظَهَرَ لَهُ أَمْعَاءٌ يُؤْكَلُ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَأَيُّ شِيَاهٍ إلَخْ ) هِيَ الَّتِي نَدَّتْ خَارِجَ الْمِصْرِ تَحِلُّ بِالْجَرْحِ ، وَقَدْ مَرَّ قُبَيْلَ الذَّبَائِحِ ( قَوْلُهُ وَمَنْ ذَا الَّذِي ضَحَّى إلَخْ ) جَوَابُهُ : رَجُلٌ أَقَامَ فِي بَيْتِهِ إلَى وَقْتِ الضُّحَى فَقَدْ ضَحَّى بِلَا دَمٍ . [ تَتِمَّةٌ ] مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولُ سَبْعَةٌ : الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ وَالْقُبُلُ وَالْغُدَّةُ وَالْمَثَانَةُ وَالْمَرَارَةُ بَدَائِعُ ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى آخِرَ الْكِتَابِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية