الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وكذلك قولهم: لا يقبل القسمة. هذا اللفظ قد يطلقه طوائف منهم ومن غيرهم، وقد لا يطلقه طوائف لما فيه من الإجمال والتناقض.

فالذي يقال على الكرامية بإثباتهم واحدا فوق العرش لا ينقسم، أو يشار إليه ولا ينقسم، يقال على غيرهم، ففي الطوائف الأربعة من الفقهاء كثير ممن يقول نحو ذلك، وكذلك [ ص: 557 ] ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه يقولون نحو ذلك، فإن كان كل من قال إنه فوق العرش وقال إنه ليس بجسم أو أثبت له هذه الصفات التي وردت بها النصوص كالوجه واليد، وقال مع ذلك إنه ليس بجسم يرد عليه ذلك؛ فإنه يلزمه أنه يشار إليه بحسب الحس وأنه واحد لا ينقسم هذه القسمة التي زعمها.

ولهذا نجد في هذه الطوائف منازعة بعضهم لبعض في ذلك، كما يوجد في أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وكذلك يوجد في أصحاب الأشعري من يتنازعون في ذلك؛ فنفاة الجهة منهم يقولون إن أدلتهم وأئمتهم الذين يقولون إن الله تعالى فوق العرش وإنه ليس بجسم متناقضون، وكذلك [ ص: 558 ] نفاة الصفات الخبرية يقولون: إن مثبتيها مع نفي الجسم متناقضون، ومثبتة العلو منهم والصفات الخبرية يقولون إن نفاة ذلك منهم يتناقضون حيث أثبتوا ما هو عرض في المخلوق؛ كالعلم والقدرة والحياة، قالوا: وليس هو بعرض في حق الخالق، ولم يثبتوا ما هو جسم في حق المخلوق كاليد والوجه، ويقولون: ليس بجسم في حق الخالق. وكذلك أصحاب الإمام أحمد، فطائفة منهم كابن عقيل وصدقة بن الحسين وأبي الفرج بن الجوزي قد يقولون: إن ابن حامد والقاضي أبا يعلى [ ص: 559 ] وأبا الحسن بن الزاغوني ونحوهم متناقضون؛ حيث ينفون الجسم ويثبتون هذه الصفات، وجمهورهم يقول: بل هؤلاء هم المتناقضون الذين يثبتون الشيء تارة وينفونه أخرى كما هو معروف من حالهم، واجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد أعظم من اجتماعهما في لوازمه وملزوماته، فإن كان كل منهما في وقتين، فالأول أعظم. وكذلك إن كانا في وقت واحد، وأما إن كان الأول في وقتين والثاني في وقت واحد فهذا أبلغ من وجه وهذا أبلغ من وجه، ويقولون: إن أولئك متناقضون حيث يسلمون ثبوت الصفات التي هي فينا أعراض ويمنعون ثبوت الصفات التي هي فينا أجسام .

التالي السابق


الخدمات العلمية