الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
قلت: وهذا الذي قاله القاضي في الاستواء هنا هو الذي يقوله أئمة الأشعرية المتقدمين وهو قريب من قول أبي محمد بن [ ص: 7 ] كلاب وأبي العباس القلانسي وغيرهم من أهل الحديث والفقه؛ ولهذا قال خلافا لمن قال من المعتزلة معناه [ ص: 8 ] الاستيلاء والغلبة وخلافا لمن قال من الأشعرية معناه العلو من طريق الرتبة والعظمة والقدرة، وهذا قول بعض [ ص: 9 ] الأشعرية لا أئمتهم المتقدمون، قال وخلافا للكرامية [ ص: 10 ] والمجسمة معناه المماسة للعرش بالجلوس [ ص: 11 ] عليه.

ثم إنه قال في الحجة والذي يبين صحة ما ذكرنا أنه مقالة السلف من أهل اللغة وغيرهم، فذكر ابن قتيبة في كتاب مختلف الحديث الرحمن على العرش استوى [طه 5] استقر كما، قال تعالى: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك [المؤمنون 28] أي استقررت، وذكر ابن بطة عن ابن [ ص: 12 ] الأعرابي قال: أرادني ابن أبي داود أن أطلب في بعض لغات العرب ومعانيها الرحمن على العرش استولى فقلت: والله ما يكون هذا ولا أصبته، وقال يزيد بن [ ص: 13 ] هارون: من زعم أن الرحمن على العرش استوى [طه 5] على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي وعن [ ص: 14 ] عبد الوهاب، قال الرحمن على العرش استوى [طه 5] قال: قعد، وعن ابن المبارك قال: الله على العرش بحد.

والقاضي في هذا الكتاب ينفي الجهة عن الله كما قد صرح بذلك في غير موضع كما ينفي أيضا هو وأتباعه كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره [ ص: 15 ] التحيز والجسم والتركيب والتأليف والتبعيض [ ص: 16 ] ونحو ذلك ثم رجع عن نفي الجهة والحد وقال بإثبات ذلك كما ذكر قوليه جميعا فقال في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات لما تكلم على حديث الأوعال [ ص: 17 ] [ ص: 18 ] [ ص: 19 ] فإذا ثبت أنه تعالى على العرش فالعرش في جهة وهو على عرشه، وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك لأن أحمد قد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء، وكل من أثبت هذا أثبت الجهة، وهم أصحاب ابن كرام وابن [ ص: 20 ] منده الأصبهاني المحدث، والدلالة عليه أن العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو على العرش؛ فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا الله تعالى فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية، ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول ليس هو في جهة ولا خارجا منها، وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا معه ولا بعده، ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم.

[ ص: 21 ] قال: واحتج ابن منده على إثبات الجهة بأنه لما نطق القرآن بأن الله تعالى على العرش وأنه في السماء وجاءت السنة بمثل ذلك وبأن الجنة مسكنه وأنه في ذلك، وهذه الأشياء أمكنة في أنفسها؛ فدل على أنه في مكان.

قلت: وهذا الكلام من القاضي وابن منده ونحوهما يقتضي أن الجهة المثبتة أمر وجودي؛ ولهذا حكوا عن النفاة أنه ليس في جهة ولا خارجا منها وأنها غيره وفي كلامه الذي سيأتي ما يقتضي أن الجهة والحد هي من الله تعالى، وهو ما حاذى لذات العرش فهو الموصوف بأنه جهة وحد، ثم ذكر أن ذلك من صفات الذات.

ثم قال: وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة وأن ذلك من صفات الذات، فهل يجوز إطلاق الحد عليه؟ قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروذي وقد ذكر له قول ابن المبارك نعرف الله على العرش بحد، فقال أحمد: بلغني ذلك وأعجبه، وقال الأثرم: قلت لأحمد يحكى عن ابن المبارك [ ص: 22 ] نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه بحد؟ فقال أحمد: هكذا هو عندنا.

قال: ورأيت بخط أبي إسحاق: ثنا أبو بكر أحمد بن نصر الرفاء، قال: سمعت أبا بكر بن أبي داود، قال: سمعت أبي يقول: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل، فقال: لله [ ص: 23 ] تبارك وتعالى حد؟ قال: نعم؛ لا يعلمه إلا هو، قال الله تعالى: وترى الملائكة حافين من حول العرش [الزمر 75] يقول: محدقين.

قال: فقد أطلق أحمد القول بإثبات الحد لله تعالى، وقد نفاه في رواية حنبل فقال: نحن نؤمن بأن الله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد، فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة وهو الحد الذي يعلمه خلقه، والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين.

أحدهما: على معنى أنه تعالى في جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات الستة بل هو خارج العالم مميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات، وهذا معنى قول أحمد: حد لا يعلمه إلا هو.

والثاني: أنه على صفة يبين بها عن غيره ويتميز؛ ولهذا يسمى البواب حدادا لأنه يمنع غيره [ ص: 24 ] من الدخول، فهو تعالى فرد واحد ممتنع عن الاشتراك له في أخص صفاته.

قال: وقد منعنا من إطلاق القول بالحد في غير موضع من كتابنا ويجب أن يجوز على الوجه الذي ذكرنا.

ثم قال: ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد على اختلاف حالتين؛ فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد معناه أن ما حاذى العرش من ذاته هو حد له وجهة له، والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما عدا الجهة المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام واليمنة واليسرة، وكان الفرق بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل، والعرش محدود؛ فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد وجهة وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في اليمنة واليسرة والفوق [ ص: 25 ] والأمام والخلف إلى غير غاية؛ فلهذا لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة، وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات لأنه لا نهاية لها.

التالي السابق


الخدمات العلمية