الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
فإذا قيل لهم: من تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، [ ص: 458 ] فقلنا: الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة، قالوا: نعم، فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا، أو قال: لا تأتون بشيء، وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.

فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى، قالوا: لم يتكلم ولا يكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح عن الله منتفية.

فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر، [ ص: 459 ] وفي نسخة إنهم إنما يقودون قولهم إلى فرية في الله، ثم ذكر أحمد الكلام في مناظرتهم في القرآن والرؤية والصفات والعرش ونحو ذلك.

وكان الأئمة كالإمام أحمد والفضيل بن عياض [ ص: 460 ] وغيرهما إذا أرادوا أن يذكروا ما يستحقه الله من التنزيه ذكروا سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، وأنها مستوفية كل ما ينفى في هذا الباب؛ ولهذا لما ناظرت الجهمية الإمام أحمد؛ كأبي عيسى محمد بن عيسى برغوث وغيره من البصريين والبغداديين وذكروا الجسم وملازمه، ذكر لهم أحمد سورة الإخلاص؛ فإن ما فيها من التنزيه هو الحق دون ما أدخلوه في لفظ الجسم من الزيادات الباطلة.

وذلك أن ما يذكرونه يدور على أصلين: نفي التشبيه، ونفي التجسيم. الذي هو التركيب والتأليف؛ ولهذا يذكر من العقائد التي ينفى فيها التنزيه الاعتقاد السليم من التشبيه والتجسيم [ ص: 461 ] فأصل كلامهم كله يدور على ذلك، ولا ريب أنهم نزهوا الله بنفي هذين الأمرين عن أمور كثيرة يجب تنزيهه عنها، وما زادوه من التعطيل فإنما قصدوا به التنزيه والتقديس وإن كانوا في ذلك ضالين مضلين.

وسورة الإخلاص تستوفي الحق من ذلك، فإن الله يقول : قل هو الله أحد الله الصمد [الإخلاص 1-2] وهذان الاسمان الأحد والصمد لم يذكرهما الله إلا في هذه السورة وهما ينفيان عن الله ما هو منزه عنه من التشبيه والتمثيل ومن التركيب والانقسام والتجسيم؛ فإن اسمه الأحد ينفي المثل والنظير كما تقدم الكلام على ذلك في أدلته السمعية، وبينا أن الأحد في أسماء الله ينفي عنه أن يكون له مثل في شيء من الأشياء فهو أحد في كل ما هو له واسمه الصمد ينفي عنه التفرق والانقسام والتمزق وما يتبع ذلك من تركيب ونحوه؛ فإن اسم الصمد يدل على الاجتماع.

وكذلك كل واحد من معنييه اللذين يتناولهما هذا الاسم [ ص: 462 ] وهو أن الصمد هو السيد الذي كمل سؤدده ويصمد إليه في الأمور، والصمد هو الذي لا جوف له كما يقال: الملائكة صمد والآدمي أجوف والمصمت ضد الأجوف، فإن اسم السيد يقتضي الجمع والقوة؛ ولهذا يقال السواد هو اللون الجامع للبصر والبياض اللون المفرق للبصر، ويقال للحليم السيد لأن نفسه تجتمع فلا تتفرق وتتميز من الغيظ والواردات عليها وكذلك هو الذي يصبر على الأمور، [ ص: 463 ] والصبر يقتضي الجمع والحبس والضم وضده الجزع الذي يقتضي التفرق وكذلك التعزي والتعزز، وعززته فتعزى أو هو لا يتعزى هو ضد الجزوع فإن التعزز والتعزي يقتضي الاجتماع والقوة والجزع يقتضي التفرق والضعف والإنسان له في سؤدده وعزته حالان أحدهما أن يستغني بنفسه عن غيره ويعز نفسه عن غيره فلا يحتاج إلى الغير الذي يحتاج إليه غيره لغناه ويخاف منه لعزته، والثاني أن يكون هو قد احتاج إليه غيره ويكون قد أعز غيره فغلبه وأعزه فمنعه فيكون الناس قد صمدوا له أي قصدوه وأجمعوا له، وهذا هو الصمد السيد، وذلك إنما يكون من كمال سؤدده وصمديته التي تنافي تفرقه وتمزقه وضعفه.

التالي السابق


الخدمات العلمية