الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام ابن سينا في الإشارات وتعليق ابن تيمية

فيقال له: هذا كلام مقدر على شيء مضمونه: أن العلة التامة التي لا يقف اقتضاؤها على أمر منفصل عنها، يلزم من وجودها وجود معلولها بجلاء، بخلاف ما يتوقف اقتضاؤها على أمور منفصلة، كالآلة والمادة والداعي وغير ذلك، وأنه إذا فرض شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول، لم يبعد عنه سرمدا.

لكن الشأن في تحقيق هذا المقدر، فإنه يقال لك: هذا غايته أن يكون إبطالا لقول من يجعل الرب خالقا للعالم، من غير حدوث سبب أصلا. وهذا قول طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى الملل، وليس هذا قول أئمة أهل الملل وجمهورهم القائلين بأن الله خالق كل شيء، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام.

وإذا كان كذلك فهؤلاء يلزموك ويقولون: هذه العلة الموصوفة هل يجوز أن يصدر عنها -بوسط أو بغير وسط- أمور مختلفة حادثة أو لا يجوز؟

فإن لم تجوز ذلك بطل قولك، ولزم أن لا يكون للحوادث فاعل، وهو معلوم الفساد بالضرورة.

وإن جوزت ذلك، قيل لك: فإذا كان الفاعل واحدا بسيطا [ ص: 236 ] موجودا، لا يتوقف فعله على شيء خارج عنه، فلم وجدت عنه المختلفات؟ ولم تأخرت عنه الحوادث؟ فما كان جوابك عن هذا، كان جوابا لهم عن الحوادث، وأولى. وأما من قال: إن الواجب بنفسه تقوم به الأفعال المتعلقة بقدرته ومشيئته. فيقولون: حدوث ما حدث يتوقف على تلك الأفعال موقوفة على ما قبلها، فإن التسلسل جائز عندك.

ثم يقال: إما أن يكون التسلسل جائزا، وإما أن لا يكون. فإن كان جائزا، أمكن أن تتسلسل الأفعال التي يقف عليها وجود تلك المفعولات. وإن لم يكن جائزا لزم حدوث جنس المحدثات، ويبطل القول بحوادث لا أول لها، وهو نقيض قولكم.

وأيضا قوله: (إذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول، لم يبعد أن يجب عنه سرمدا). فيقال له: المتشابه الحال لا يخلو: إما أن يجوز أن تصدر عنه الأمور المختلفة الحادثة بوسط أو بغير وسط، وإما أن لا يجوز. فإن لم يجز ذلك لزم أن لا تكون هذه الحوادث صادرة عن علة بسيطة، لا بوسط ولا بغير وسط. وهذا يبطل قولهم. وحينئذ فإما أن يقال: إن هذه الحوادث لا محدث لها، وهو معلوم الفساد بالضرورة. وإما أن يقال: ليس المحدث مجردا عن الصفات والأفعال، بل له صفات وأفعال، كما يقوله المسلمون، وهو الحق.

وإن جاز أن تصدر المختلفات والمحدثات عن بسيط، أمكن أن يحدث عنه ما لم يكن حادثا عنه، وحينئذ فلا يلزم أن يكون معلولا له لازما له.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث