الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فإن قبض ثمنه أو سلم ) المبيع ( طوعا ) قيد للمذكورين ( نفذ ) يعني لزم لما مر أن عقود المكره نافذة عندنا ، والمعلق على الرضا والإجازة لزومه لإنفاذه إذ اللزوم أمر وراء النفاذ كما حققه ابن الكمال .

قلت : والضابط أن ما لا يصح مع الهزل ينعقد فاسدا فله إبطاله وما يصح فيضمن الحامل كما سيجيء ( وإن ) ( قبض ) الثمن ( مكرها لا ) يلزم ( ورده ) ولم يضمن إن هلك الثمن لأنه أمانة درر ( إن بقي ) في يده لفساد العقد [ ص: 132 ] ( لكنه يخالف البيع الفاسد في أربع صور يجوز بالإجازة ) القولية والفعلية ( و ) الثاني : أنه ( ينقض تصرف المشتري منه ) وإن تداولته الأيدي ( و ) الثالث : ( تعتبر القيمة وقت الإعتاق دون وقت القبض و ) الرابع : ( الثمن والمثمن أمانة في يد المكره ) لأخذه بإذن المشتري فلا ضمان بلا تعد بخلافها في الفاسد بزازية .

التالي السابق


( قوله : فإن قبض إلخ ) تفريع على ما فهم من التخيير السابق ، وهو أن تمام البيع بانقلابه صحيحا موقوف على إجازته بناء على أن الفساد كان لحقه لا لحق الشرع ، فكأنه يقول : لما توقف انقلابه صحيحا على رضا البائع وإجازته فبقبضه الثمن أو تسليمه المبيع طوعا ينقلب صحيحا بدلالتها على الرضا والإجازة ابن كمال . ( قوله : أو سلم المبيع ) قيد بالمبيع للاحتراز عن الهبة ، فإذا أكره عليها ، ولم يذكر الدفع فوهب ودفع يكون باطلا لأن مقصود المكره الاستحقاق لا مجرد اللفظ ، وذلك في الهبة بالدفع وفي البيع بالعقد فدخل الدفع في الإكراه على الهبة دون البيع هداية . وقيده في البزازية بحضور المكره فقال : الإكراه على الهبة إكراه على التسليم إذا كان المكره وقت التسليم حاضرا وإلا لا قياسا واستحسانا ا هـ وأراد بقوله : باطلا الفاسد لأنه يملك فاسدا بالقبض أتقاني . ( قوله : نفذ ) لوجود الرضا . ( قوله : لما مر ) تعليل لتفسير النفاذ باللزوم ، ومقتضاه أن النفاذ واللزوم متغايران فيراد بالنفوذ الانعقاد وباللزوم الصحة فبيع المكره نافذ أي منعقد لصدوره من أهله في محله والمنعقد منه صحيح . ومنه فاسد ، وهذا العقد فاسد ، لأن من شروط الصحة الرضا ، وهو هنا مفقود فإذا وجد صح ولزم ، وهذا موافق لما مر أن النافذ مقابل للموقوف ، فإن الموقوف كما في بيوع البحر ما لا حكم له ظاهرا يعني لا يفيد حكمه قبل وجود ما توقف عليه ، وهذا يفيد حكمه وهو الملك قبل الرضا لكن بشرط القبض كما في سائر البيوع الفاسدة وهذا منها عندنا كما صرحوا به قاطبة خلافا لزفر .

فظهر بهذا التقرير : أن اللزوم أمر وراء النفاذ كما حققه ابن الكمال حيث نقل عن شرح الطحاوي أنه إذا تداولته الأيدي ، فله فسخ العقود كلها وأيا أجازه جازت كلها لأنها كانت نافذة إلا أنه كان له الفسخ لعدم الرضا ا هـ فهذا صريح في أن النفاذ كان موجودا قبل الرضا ، وأن الموقوف على الرضا أمر آخر ، وهو لزومها وصحتها فتعين أن يفسر قوله : نفذ ب لزم وبالجملة فالرضا شرط اللزوم لا النفاذ ، ولكن هذا مخالف لما في كتب الأصول كالتوضيح والتلويح والتقرير وشرح التحرير وشروح المنار حيث قالوا : إن بيع المكره ينعقد فاسدا لعدم الرضا الذي هو شرط النفاذ ، فلو أجازه بعد زوال الإكراه صريحا أو دلالة بقبض الثمن أو تسليم المبيع طوعا صح لتمام الرضا ، والفساد كان لمعنى وقد زال ا هـ وهذا موافق لما قاله المصنف ، ولقول صدر الشريعة إن الإكراه يمنع النفاذ فالمراد في كلامهم بالنفاذ اللزوم فهما بمعنى واحد وهو الصحة . وبه يحصل التوفيق بينه وبين ما في شرح الطحاوي وظهر به أن تعبير المصنف بقوله : نفذ كالوقاية والدرر لا اعتراض عليه ، ولا لوم لموافقته لكلام القوم ، واندفع تشنيع ابن الكمال المار على صدر الشريعة بالكلمات الفظيعة ، والله تعالى الموفق لا رب سواه .

( قوله : إن ما لا يصح مع الهزل ) كالبيع والشراء . ( قوله : وما يصح ) أي مع الهزل وهو ما يستوي فيه الجد والهزل كالطلاق [ ص: 132 ] والعتاق . ( قوله : يجوز بالإجازة ) أي ينقلب صحيحا بها ، بخلاف غيره من البيوع الفاسدة كبيع درهم بدرهمين مثلا لا يجوز ، وإن أجازاه لأن الفساد فيه لحق الشرع . ( قوله : والفعلية ) كقبض الثمن وتسليم المبيع طوعا . ( قوله : المشتري منه ) أي من البائع المكره . ( قوله : وإن تداولته الأيدي ) لأن الاسترداد فيه لحقه لا لحق الشرع . ( قوله : وقت الإعتاق دون وقت القبض ) مخالف لما في البزازية حيث قال : إن احتمل النقض نقضه وإلا يحتمل يضمن المكره قيمته يوم التسليم إلى المشتري وإن شاء ضمن المشتري يوم قبضه أو يوم أحدث فيه تصرفا لا يحتمل النقض ، لأنه أتلف به حق الاسترداد بخلاف المشتري شراء فاسدا حيث لا يضمنه يوم الإحداث بل يوم قبضه ا هـ ومثله في غاية البيان فكان عليه أن يقول له تضمين القيمة يوم الإعتاق أو القبض . ( قوله : الثمن ) أي فيما إذا كان المكره هو البائع وقوله : والمثمن أي فيما إذا كان هو المشتري . ( قوله : أمانة في يد المكره ) وهو البائع في الأول والمشتري في الثاني . ( قوله : لأخذه بإذن المشتري ) أي أو البائع ح . ( قوله : بخلافها ) أي الصور الأربع ح . [ تنبيه ] :

أكرها على بيع عبد وشرائه وعلى التقابض فهلك الثمن والعبد ضمنهما المكره لهما ، فإن أراد أحدهما تضمين صاحبه سئل كل عما قبض ، فإن قال كل قبضت على البيع الذي أكرهنا عليه ، ليكون لي فالبيع جائز ولا ضمان على المكره ، وإن قال : قبضته مكرها لأرده على صاحبه ; وآخذ منه ما أعطيت ، وحلف كل لصاحبه على ذلك لم يضمن أحدهما الآخر ، وإن نكل أحدهما ، فإن كان المشتري ضمن البائع أيا شاء فإن ضمن المكره قيمته رجع بها على المشتري ، وإن ضمنها المشتري لم يرجع على المكره بها ولا على البائع بالثمن ، وإن كان الناكل البائع فإن شاء المشتري ضمن المكره الثمن ، ورجع به على البائع وإن شاء ضمنه البائع ولم يرجع به على المكره ا هـ ملخصا من الهندية عن المبسوط .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث