الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5817 5818 ص: وقد حدثنا ابن أبي عمران ، قال : ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يزيد بن زريع ، عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - قالا : قال رسول الله -عليه السلام - : " لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده " .

                                                [ ص: 321 ] فقال قائل : فقد دل هذا الحديث على تحريم الرجوع في الهبة من الرجل لغير ولده .

                                                قيل له : ما دل ذلك على شيء مما ذكرت ، فقد يجوز أن يكون النبي -عليه السلام - وصف ذلك الرجوع بأنه لا يحل لتغليظه إياه ; لكراهية أن يكون أحد من أمته له مثل السوء ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي " فلم يكن ذلك على معنى أنها تحرم عليه كما تحرم على الأغنياء ، ولكنها لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة والزمانة ، فكذلك ما ذكرنا من قول رسول الله -عليه السلام - أيضا : "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته " إنما هو على أنه لا يحل له ذلك كما تحل له الأشياء التي قد أحلها الله -عز وجل - لعباده ، ولم يجعل لمن فعل مثلا كمثل الذي جعله رسول الله -عليه السلام - للعائد في هبته ، وقد دخل في ذلك العود فيها بالرجوع والابتياع ، ثم استثنى من ذلك ما وهب الوالد لولده .

                                                فذلك عندنا -والله أعلم - على إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت حاجته إلى ذلك وفقره إليه ; لأن ما يجب للوالد من ذلك ليس بفعل يفعله فيكون ذلك رجوعا منه ، يكون مثله فيه كمثل الكلب الراجع في قيئه ، ولكنه شيء أوجبه الله لفقره ، فلم يضيق ذلك عنه كما قد روي عن رسول الله -عليه السلام - في غير هذا الحديث .

                                                حدثنا يونس ، قال : ثنا علي بن معبد ، قال : ثنا عبيد الله بن [عمر] ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده : " أن رجلا أتى رسول الله -عليه السلام - فقال : يا رسول الله ، إنى أعطيت أمي حديقة ، وإنها ماتت ولم تترك وارثا غيري ، فقال رسول الله -عليه السلام - : وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك " .

                                                أفلا ترى أن رسول الله -عليه السلام - قد أباح للمتصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث ، ومنع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من ابتياع صدقته ، فثبت بهذين الحديثين إباحة

                                                [ ص: 322 ] الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله وكراهيته الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه ، فكذلك وجوب النفقة للأب في مال الابن لحاجته وفقره ، وجبت له بإيجاب أبيه إياها ، فأباح له النبي -عليه السلام - بذلك ارتجاع هبته وإنفاقها على نفسه ، وجعل ذلك كما رجع إليه بالميراث لا كما رجع إليه بالابتياع .

                                                التالي السابق


                                                ش: أورد حديث عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - ليجيب عنه ; لأنه من أقوى حجج أهل المقالة الأولى .

                                                وأخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي ، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري البصري شيخ الشيخين وأبي داود ، عن يزيد بن زريع ، روى له الجماعة ، عن حسين بن ذكوان المعلم ، روى له الجماعة ، عن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ، ثقة كبير ، روى له الأربعة ، عن طاوس بن كيسان ، روى له الجماعة .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا مسدد ، قال : ثنا يزيد -يعني ابن زريع - قال : ثنا حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي -عليه السلام - قال : لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل : الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل ، فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه " .

                                                وأخرجه النسائي أيضا : أنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام ، نا إسحاق الأزرق ، أنا الحسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاوس عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا يحل لأحد يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي العطية فيرجع فيها كالكلب أكل حتى إذا شبع قاء ، ثم عاد فرجع في قيئه " .

                                                [ ص: 323 ] قوله : "فقال قائل " أراد به الشافعي ; فإنه قال : قد دل هذا الحديث على تحريم الرجوع في الهبة من الرجل لغير ولده .

                                                وبه قال أحمد .

                                                وقال النووي في "الروضة " : وأما الأم والأجداد والجدات من جهة الأب والأم فالمذهب أنهم كالأب ، وفي قول : لا رجوع لهم . وقيل : ترجع الأم ، وفي غيرها قولان ، وقيل : يرجع آباء الأب وفي غيرهم قولان ، ولا رجوع لغير الأصول كالإخوة والأعمام وغيرهم من الأقارب قطعا ، وسواء في ثبوت الرجوع للوالد كان متفقين في الدين أم لا ، ولو وهب لعبد ولده رجع ، ولو وهب لمكاتب ولده فلا ، وفي حاوي الحنابلة : لا يرجع الواهب إن وهب إلا الأب وفي الأم وجهان ، وعنه : لا رجوع للأب ، قال : وعنه إن تعلق به في عينه بأن يفلس الولد أو تزوج ، وإلا يرجع .

                                                قوله : "قيل له " أي لهذا القائل ، وهذا جواب عما قاله الشافعي ، بيانه أن يقال : لا نسلم أن يدل هذا الحديث على ما ذكرت ; لأنه قد يجوز أن يكون مراد النبي -عليه السلام - من قوله : "لا يحل لواهب أن يرجع " تعليما منه إياه ; لكراهته أن يكون لأحد من أمته مثل السوء ، وهو أنه قد شبه الراجع في هبته في حديث آخر بالكلب الذي يقيء ، ثم يعود في قيئه ، والدليل على صحة هذا التأويل قوله -عليه السلام - في حديث آخر : "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي " وقد أخرجه في باب الزكاة مسندا ، فإنه ليس معناه أن الصدقة تحرم على ذي مرة أي قوة ، كما تحرم على الأغنياء ، وإنما معناه : لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الضعف والزمانة ، والعاجزين عن الكسب ، فصار ذلك من باب التغليظ والتهديد ، فكذلك قوله -عليه السلام - في هذا الحديث إنما هو على معنى : لا يحل لواهب أن يرجع كما تحل له الأشياء التي قد أحلها الله -عز وجل - لعباده ، ولم يجعل لمن فعلها مثلا سوءا كمن جعل له مثلا سوءا لمن فعل ذلك من العائدين في هباتهم ، فافهم .

                                                [ ص: 324 ] قوله : "وقد دخل في ذلك العود فيها بالرجوع والابتياع " أراد أن ظاهر قوله -عليه السلام - "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته " مقابل بطريق العموم للعود في الهبة مطلقا ، سواء كان برجوعه عنها أو بشرائها من الموهوب له ، فإنه ينطبق عليه أنه عائد فيها .

                                                وقصد بهذا الكلام الرد والاعتراض على الشافعي حيث فرق في العود في الهبة بين الرجوع والابتياع ; لأنه لم يره كالعود إذا كان بطريق الرجوع ، ورأى ذلك إذا كان بطريق الشراء وإن كان قد كرهه ، والحال أن النص لم يفرق بين الأمرين .

                                                قوله : "ثم استثنى من ذلك . . . . " إلى آخره إشارة إلى بيان معنى قوله : إلا الوالد لولده ، وبيان تأويله أي قد استثنى رسول الله -عليه السلام - من قوله : "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته " ما وهبه لولده ، ووجهه أنه يباح له أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت احتياجه إليه وفقره ، لأن الأب إذا رجع عن هبته التي وهبها لولده وقت ضرورته وحاجته لا يوصف بأنه راجع ، مثله فيه كمثل الكلب الراجع في قيئه بل إنما ذلك سائغ له حلال ; لأجل فقره واحتياجه ، فعلم من ذلك أن إخراج الوالد للعود فيما وهب لابنه ، كان للتنبيه على أنه لم يكن داخلا في صدر الكلام بالكلية .

                                                والشافعي ومن معه تعلقوا بظاهر الاستثناء ، وأثبتوا الرجوع له لا من الوجه الذي ذكرناه ، على أنهم تركوا العمل بظاهر الحديث ; فإن الحديث لا ينطوي إلا على ذكر الوالد ، وهم قد جعلوا الأم والأجداد والجدات من قبل الأب والأم كلهم كالوالد وهو خلاف ظاهر الحديث .

                                                فإن قيل : ذكر الوالد يتناول الجد ، كما في قوله تعالى : كما أخرج أبويكم من الجنة فجعل الله تعالى الجد والجدة أبوين والأم أيضا وأنه يقع على الجنس .

                                                قلت : نعم ذلك كما ذكرت ولكن ليس على الحقيقة وإنما هو على المجاز وكلامنا في الاستدلال بحقائق الألفاظ ; فافهم .

                                                قوله : "كما قد روي عن رسول الله -عليه السلام - في غير هذا الحديث . . . . " إلى آخره .

                                                [ ص: 325 ] ذكره تأييدا لقوله : "لأن ما يجب للوالد من ذلك . . . . " إلى آخره . وتنبيها على الفرق بين الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله والراجعة إليه بفعل نفسه .

                                                بيان ذلك : أن قوله -عليه السلام - : "وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك " في الحديث الذي أخرجه بإسناد صحيح عن يونس بن عبد الأعلى ، عن علي بن معبد بن شداد ، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده - رضي الله عنه - ، يدل على أنه -عليه السلام - قد أباح للمتصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث ، ومنع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من ابتياع صدقته ، حيث قال له : "لا تعد في صدقتك " وقد مر الحديث عن قريب في هذا الباب ، فثبت بحديث عمرو بن شعيب إباحة الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله تعالى ; لأنه بطريق الميراث ، وليس فيه مباشرة من العبد ، وثبت بحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كراهية الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه ، لأنه مباشر في الابتياع ، وكذلك وجوب النفقة للأب من مال الابن إنما هو لأجل الحاجة والفقر والضرورة وجبت له بإيجاب الله إياها ، فلذلك أباح له النبي -عليه السلام - الارتجاع في هبته وإيقافها على نفسه ، وجعل حكم ذلك كحكم الميراث لا حكم ما رجع إليه بطريق الابتياع والشراء ، والله أعلم .




                                                الخدمات العلمية