الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                [ ص: 119 ] 7104 7105 ص: وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن ما تكلم به رسول الله -عليه السلام - في ذلك كان على غير هذا اللفظ :

                                                حدثنا علي بن معبد ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : أنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن أبي حسان ، قال : "دخل رجلان من بني عامر ، على عائشة ، فأخبراها أن أبا هريرة - رضي الله عنه - يحدث عن النبي -عليه السلام - أنه قال في الطيرة : في المرأة والدار والفرس ، فغضبت وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض ، فقالت : والذي نزل القرآن على محمد ، - صلى الله عليه وسلم - ما قالها رسول الله -عليه السلام - قط ، إنما قال : إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك " .

                                                فأخبرت عائشة - رضي الله عنها - أن ذلك القول كان من النبي -عليه السلام - حكاية عن أهل الجاهلية لا أنه عنده كذلك .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا في الحقيقة جواب آخر عن أحاديث الشؤم ; حاصله : أن عائشة - رضي الله عنها - بينت أن قوله -عليه السلام - : "الشؤم في ثلاث . . . . " الحديث ليس معناه عنده أن الأمر كذلك ، وإنما هذا حكاية حكاها -عليه السلام - عن أهل الجاهلية أنهم كانوا يعتقدون ذلك في هذه الأشياء الثلاثة ; ولهذا أنكرت رواية أبي هريرة حين أخبر الرجلان بذلك ، وحلفت أن رسول الله -عليه السلام - ما قالها قط .

                                                أخرج الطحاوي ذلك عنها بإسناد صحيح إلى أبي حسان الأعرج ، ويقال : الأجرد ، واسمه : مسلم بن عبد الله البصري ، وثقه يحيى وابن حبان ، وروى له الجماعة ; البخاري مستشهدا .

                                                وأخرجه ابن عبد البر عن أبي حسان المذكور : "أن رجلين دخلا على عائشة وقالا : إن أبا هريرة يحدث أن النبي -عليه السلام - قال : إنما الطيرة في الفرس والمرأة والدار ، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض ، ثم قالت : كذب والذي أنزل الفرقان على من حدث عنه بهذا ، ولكن رسول الله -عليه السلام - كان يقول : كان أهل الجاهلية [ ص: 120 ] يقولون : الطيرة في المرأة والدار والدابة ، ثم قرأت عائشة - رضي الله عنها - ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب الآية " .

                                                قوله : "وطارت شقة " أي قطعة ، ورواه بعض المتأخرين بالسين المهملة ، وأورد به المبالغة في الغضب والغيظ ، يقال : قد أشق فلان من الغضب والغيظ كأنه امتلأ باطنه به حتى انشق ، ومنه قوله تعالى : تكاد تميز من الغيظ وقال أبو عمر : قول عائشة في أبي هريرة : "كذب " فإن العرب تقول : كذبت إذا أرادوا به التغليط ، ومعناه : أوهم لم يظن حقا ونحو هذا ، وذلك معروف في كلامهم موجود في أشعارهم كثيرا ، قال أبو طالب :


                                                كذبتم وبيت الله نترك مكة . . . ونظعن إلا أمركم في بلابل

                                                كذبتم وبيت الله نبزي محمدا
                                                . . . ولما نطاعن دونه ونناضل



                                                فهذا من باب الغلط وظن ما ليس بصحيح ، وذلك أن قريشا أرادوا أن يخرجوا بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جوار محمد -عليه السلام - ، فقال لهم أبو طالب : كذبتم فيما ظننتم .

                                                قوله : "نظعن " بالظاء المعجمة أي نرحل .

                                                و"البلابل " جمع بلبلة وهي الوسواس .

                                                قوله : "نبزي " بالزاي المعجمة .

                                                و"المطاعنة " بالرماح ، والمناضلة بالنبال .




                                                الخدمات العلمية