الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

5878 5879 5880 5881 ص: ثم قد روي عن ابن عباس عن النبي -عليه السلام - في ذلك أيضا ما حدثنا ربيع المؤذن ، قال : ثنا أسد ، قال : ثنا ابن لهيعة ، قال : ثنا أخي عيسى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " سمعت رسول الله -عليه السلام-بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض - نهى عن الحبس " .

حدثنا روح بن الفرج ، قال : ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، وعمرو بن خالد ، قالا : ثنا عبد الله بن لهيعة . . . . فذكر بإسناده مثله .

حدثنا عبد الرحمن بن الجارود ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة . . . . فذكر بإسناده مثله .

حدثنا روح 5 ومحمد بن خزيمة ، ، قالا : قال لنا أحمد بن صالح : : هذا حديث صحيح وبه أقول .

قال روح : : قال لي أحمد : وحدثنيه الدمشقي -يعني عبد الله بن يوسف - عن ابن لهيعة .

فأخبر ابن عباس: أن الأحباس منهي عنها غير جائزة ولذا قد كانت قبل نزول الفرائض بخلاف ما صارت عليه بعد نزول الفرائض ; فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار .

التالي السابق


ش: ذكر ما روي عن ابن عباس ; تأييدا لما قاله شريح - رضي الله عنه - .

وأخرجه من أربع طرق :

الأول : عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ، عن أسد بن موسى ، عن عبد الله بن لهيعة ، عن أخيه عيسى بن لهيعة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

وأخرجه البيهقي : من حديث يحيى بن يحيى ، عن ابن لهيعة ، عمن سمع عكرمة يحدث ، عن ابن عباس أنه قال : "لما أنزلت الفرائض في سورة النساء قال رسول الله -عليه السلام - : لا حبس بعد سورة النساء " .

الثاني : عن روح بن الفرج القطان ، عن يحيى بن عبد الله بن بكير وعمرو بن خالد الحراني شيخ البخاري ، كلاهما عن ابن لهيعة ، عن أخيه ، عن عكرمة .

وأخرجه ابن حزم من طريق العقيلي ، عن روح بن الفرج . . . . إلى آخره نحوه .

الثالث : عن عبد الرحمن بن الجارود بن عبد الله الكوفي ، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري ، عن ابن لهيعة إلى آخره .

وأخرجه الدارقطني : عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، عن كامل بن طلحة ، عن ابن لهيعة ، نحوه .

الرابع : عن روح بن الفرج ، عن أحمد بن صالح ، عن عبد الله بن يوسف الدمشقي ، عن ابن لهيعة .

وأخرجه ابن حبان في ترجمة عيسى بن لهيعة نحوه .

فإن قيل : قال ابن حزم : هذا حديث موضوع ، وابن لهيعة لا خير فيه وأخوه مثله وبيان وضعه : أن سورة النساء نزلت أو بعضها بعد أحد -يعني آية المواريث - وحبس الصحابة بعلم رسول الله -عليه السلام - بعد خيبر ، وبعد نزول المواريث في سورة النساء وهذا أمر متواتر جيلا بعد جيل ، ولو صح هذا الخبر لكان منسوخا باتصال الحبس بعلمه -عليه السلام - إلى أن مات . انتهى .

وقال الدارقطني : لم يسند هذا الحديث غير ابن لهيعة عن أخيه ، وهما ضعيفان ، وقال البيهقي في "الخلافيات " والمشهور أنه قول شريح ، وابن لهيعة وأخوه ضعيفان .

قلت : قوله : هذا حديث موضوع عسف عظيم غير مقبول منه ، وكيف يكون موضوعا وليس في رواته من يتهم بالوضع ، ولا فيه أمارة من الأمارات التي يثبت بها الوضع ؟ ! فإن كان هذا من أجل ابن لهيعة عن أخيه فابن لهيعة في نفسه صادق ، فقد قال ابن وهب : كان ابن لهيعة صادقا ، وقال في موضع آخر : وحدثني الصادق البار والله ابن لهيعة .

وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة .

وعنه : من مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه . ولهذا حدث عنه أحمد في "مسنده " بحديث كثير .

وقال ابن حبان : كان صالحا ، غاية ما في الباب أنه قد اشتهر بالضعف عند أكثر الناس ; لأنه كان يدلس عن الضعفاء واحترقت كتبه .

وكان ابن حبان يقول : كان أصحابنا يقولون : سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة : عبد الله بن وهب ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الله بن يزيد ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي صحيح ، وقد قال مثل أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري الحافظ الكبير المشهور المصري أحد مشايخ البخاري وأبي داود : هذا حديث

صحيح وبه أقول . وكفى به شهيدا ، ولو لم تثبت عنده صحة هذا الحديث ووضوح طريقه وسلامة إسناده من الكدر لما حكم فيه بالصحة .

وإن كان هذا من أجل أخيه عيسى بن لهيعة فإن ابن حبان ذكره في الثقات وأدخله بينهم ، وروى هذا الحديث عند ترجمته .

وإن كان ذلك من أجل قوله : "بيان وضعه أن سورة النساء . . . . " إلى آخره .

فنقول : نعم إن آية المواريث نزلت بعد أحد ، كما روي في حديث جابر بن عبد الله الطويل : "فجاءت المرأة بابنتين لها إلى رسول الله -عليه السلام - ، فقالت : يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل معك يوم أحد ، وقد استفى عمهما مالهما وميراثهما كله ، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه ، فما ترى يا رسول الله ؟ فوالله لا ينكحان أبدا إلا ولهما مال ، قال رسول الله -عليه السلام - : يقضي الله في ذلك ، فنزلت سورة النساء : يوصيكم الله في أولادكم

وأما حبس الصحابة بعلم رسول الله -عليه السلام - بعد خيبر وبعد نزول آية المواريث فلا نسلم صحة ذلك أن يكون كذلك ; فإنه يحتمل أن يكون قد كان قبل نزول ذلك فلم يقع حبسا عن فرائض الله .

فإن قيل : فما تقول في وقف رسول الله -عليه السلام - وفي أوقاف الصحابة بعد موت رسول الله -عليه السلام - ؟ .

قلت : أما وقف رسول الله -عليه السلام - فإنما جاز لأن المانع من وقوعه حبسا عن فرائض الله ، ووقفه -عليه السلام - لم يقع حبسا عن فرائض الله ، لقوله -عليه السلام - : "إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة " .

وأما أوقاف الصحابة - رضي الله عنهم - بعد موته فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة ، هذا هو الظاهر ، والله أعلم .

وأما قوله : "ولو صح هذا الخبر لكان منسوخا " فغير صحيح أيضا ; لأنه مجرد دعوى ، والنسخ لا يثبت إلا بدليل ، ولم يبين دليله في ذلك ولا الناسخ ما هو ، فخلص الحديث حينئذ عما ذكره ، وصح على ما قاله أحمد بن صالح المصري على ما ذكرنا ، ولئن سلمنا أنه ضعيف على ما ذهب إليه الأكثرون ، ولكن لا نسلم أنه موضوع لما ذكرنا ، والضعيف يصلح للاستشهاد والمتابعة ، فإنه لما روى هذا الحديث عن شريح بطرق صحيحة رواه أيضا عن ابن عباس مرفوعا مسندا تأييدا لذلك وتأكيدا لصحته ، على أنه يفهم من كلمته أيضا أنه يذهب مذهب أحمد بن صالح في هذا الحديث .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث