الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

6098 ص: فإن قال قائل : فأنتم لا ترجمون اليهود إذا زنوا ، فقد تركتم بعض ما في الحديث الذي به احتججتم ! .

قيل له : إن الحكم كان في الزناة في عهد موسى -عليه السلام - هو الرجم على المحصن وغير المحصن ، وكذلك كان جواب اليهودي الذي سأله رسول الله -عليه السلام - عن حد الزنا في كتابهم ، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله -عليه السلام - ، فكان على النبي -عليه السلام - اتباع ذلك والعمل به ; لأن على كل نبي اتباع شريعة النبي الذي كان قبله حتى يحدث الله شريعة تنسخ شريعته ، قال الله -عز وجل - : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فرجم رسول الله -عليه السلام - اليهوديين على ذلك الحكم ولا فرق حينئذ في ذلك بين المحصن وغير المحصن ، ثم أحدث الله -عز وجل - لنبيه -عليه السلام - شريعة نسخت هذه الشريعة فقال : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا فكان هذا ناسخا لما كان قبله ، ولم يفرق في ذلك أيضا بين المحصن وغير المحصن ، ثم نسخ الله -عز وجل - ذلك فجعل الحد هو الأذى بالآية التي بعدها ولم يفرق في

[ ص: 425 ] ذلك أيضا بين المحصن وغير المحصن ، ثم جعل الله لهن سبيلا ، فقال رسول الله -عليه السلام - : "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " ففرق حينئذ بين حد المحصن وحد غير المحصن ، فجعل حد المحصن الرجم ، وحد غير المحصن الجلد .

التالي السابق


ش: تقرير السؤال أن يقال : إنكم قد استدللتم فيما ذهبتم إليه من وجوب الحكم على الإمام بين أهل الذمة وإن لم يحكموه بحديثي جابر والبراء - رضي الله عنهما - وحديثاهما عام في المحصن وغير المحصن ، ثم تركتم بعض ما فيه ، حيث قلتم : إن اليهود إذا زنوا لا يرجمون ، وشرطتم في وجوب الرجم الإسلام ، وجعلتموه من جملة شروط الإحصان .

فأجاب عنه بقوله : "قيل له . . . . " إلى آخره ، وهو ظاهر ، ولكنا نتكلم في الآية الكريمة فنقول : لم يختلف السلف في حد الزانيين في أول الإسلام ما قال الله تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم إلى قوله : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فكان حد المرأة الحبس والأذى بالتعيير ، وكان حد الرجل التعيير ، ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ونسخ عن المحصن بالرجم ، وذلك لأن في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن النبي -عليه السلام - : "خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر . . . . الحديث " . وكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى قوله : أو يجعل الله لهن سبيلا

وقال الجصاص ما ملخصه : إن كون حد الزانيين في أول الإسلام الحبس والأذى وكون المحصن وغير المحصن فيه سواء ، دليل على أنه -عليه السلام - رجم اليهوديين بحكم

[ ص: 426 ] مبتدأ وأن الرجم الذي أوجبه الله تعالى في التوراة قد كان منسوخا ، ولما ثبت أنه رجمهما ; صح أنهما في حكم المسلمين في إيجاب الحدود عليهما إلا أنه لما رجمهما لم يكن من شرط الرجم الإحصان فلذلك رجمهما ، فلما شرط الإحصان فيه ، وقال -عليه السلام - : "من أشرك بالله فليس بمحصن " صار حدهما الجلد ، وسيجيء زيادة تحقيق في هذا ، وفي قوله -عليه السلام - : "البكر بالبكر . . . . " الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت وأخرجه في كتاب الحدود مستوفى .

وأما قوله -عليه السلام - : "من أشرك بالله فليس بمحصن " .

فنقول : قال الدارقطني : ثنا عبد الله بن خشيش ، ثنا سلم بن جنادة ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : "من أشرك بالله فليس بمحصن " .

ثنا دعلج ، ثنا ابن شيرويه ، ثنا إسحاق ، ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي -عليه السلام - قال : "من أشرك بالله فليس بمحصن " .

قال الدارقطني : لم يرفعه غير إسحاق ، ويقال : إنه رجع عنه ، والصواب موقوف .

وأخرجه البيهقي أيضا من حديث جويرية ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يقول : "من أشرك بالله فليس بمحصن " .

قال البيهقي : وهكذا رواه أصحاب نافع عنه ، وقال البيهقي في "الخلافيات " وابن عمر إنما أريد به إحصان العفائف في حد القذف دون الإحصان الذي من شرائط الرجم ، فهو يروي : "أن رسول الله -عليه السلام - رجم يهوديين زنيا " وهو لا يخالف النبي -عليه السلام - فيما روى عنه .

[ ص: 427 ] قلت : إسحاق هو ابن راهويه ، حجة حافظ ، فإذا رفع الثقة حديثا لا يضره وقف من وقفه فظهر أن الصواب فيه الرفع ، وتأويل البيهقي لا دليل عليه ، فلا يلتفت إليه ، وليس ابن عمر مخالفا لما رواه ولا يقال فيه ذلك ، وكلها روايات صحيحة ، أما روايته الأولى التي فيها : "أنه -عليه السلام - رجم يهوديين زنيا " فكان ذلك قبل اشتراط الإحصان كما ذكرنا ، وأما روايته الأخرى فكان ذلك حين اشترط الإحصان ; فافهم ، والله أعلم .

وروى الدارقطني أيضا : ثنا عبد الله بن أحمد بن ثابت البزاز ، حدثنا أحمد بن يوسف الثعلبي ، ثنا أحمد بن أبي نافع ، ثنا عفيف بن سالم ، ثنا سفيان الثوري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله -عليه السلام - "لا يحصن المشرك بالله شيئا " .

قال الدارقطني : وهم عفيف في رفعه ، والصواب موقوف من قول ابن عمر .

قلت : عفيف ثقة . قاله ابن معين وأبو حاتم ، ذكره ابن القطان ، وقال صاحب "الميزان " : محدث مشهور ، صالح الحديث ، وقد قلنا : إن الثقة إذا رفع الحديث لا يضره وقف من وقفه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث