الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا قضاء عليه إلا أن يكون واجبا فيقضي "

قال الماوردي : وهذا كما قال ، قد ذكرنا أن المحصر إذا تحلل من إحرامه بالهدي والحلاق ، فلا قضاء عليه ، إلا أن تكون حجة الإسلام قد وجبت عليه قبل إحصاره فعليه أداؤها ، وإن وجبت عليه في العام الذي أحصر فيه لم يلزمه قضاؤها ، وقال أبو حنيفة : على المتحلل بالإحصار القضاء ، سواء كان إحرامه فرضا أو تطوعا ، فإن كان محرما بحج لزمه أن يقضي حجة أو عمرة ، وإن كان قارنا قضى حجا وعمرتين ، واستدل على وجوب القضاء برواية عكرمة قال سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة فسألت أبا هريرة وابن عباس فقالا : صدق ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحل من عمرته بالإحصار سنة ست بالحديبية ، قضاها سنة سبع ، فسميت عمرة القضية ، وعمرة القضاء ، وعمرة القصاص : ولأن عائشة - رضي الله عنها - لما حاضت بمكة ، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : " اقضي عمرتك وأهلي بالحج " ، ثم أمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم ، فألزمها قضاء العمرة التي رفضتها ، وتحللت منها ، وكانت في حكم المحصر : لأنها لم تقدر على إكمال العمرة : لأجل الحيض ، ولا أمكنها المقام على العمرة إلى أن تطهر خوفا من فوات الحج : ولأنه خرج من نسكه قبل تمامه فوجب أن يلزمه القضاء ، كالفائت ، ولأن الحصر نوعان : عام ، وخاص .

فلما لزمه القضاء بالتحلل من الحصر الخاص ، وجب أن يلزمه بالتحلل من الحصر العام ، ودليلنا قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي [ البقرة : 196 ] ، فذكر الإحصار ، وبين حكمه وهو الهدي ، فدل أنه لا موجب له غيره ، واستدل الشافعي بأن النبي صلى الله عليه وسلم أحصر بالعمرة سنة ست ، وأحصر معه أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة ، ثم تحللوا معه ، فلما كان في السنة المقبلة ، وهي سنة سبع خرج للقضاء ، وخرج معه ناس من الصحابة ، أكثر ما قيل ، سبعمائة ، فموضع الدليل من هذا ، هو أن القضاء لو كان يلزمهم لذكره النبي صلى الله عليه وسلم لهم ليخرج معه جميعهم : لأن من أوجبه على الفور منع من التراخي ، ومن جعله على التراخي ، منع أن يجبر التأخير في ذلك العام : لأن مكة كانت إذ ذاك دار شرك ، وكان القضاء في غير العام الذي قضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم غير ممكن ، فلما لم يخرجوا وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ترك الخروج ، دل على أن القضاء غير واجب ، وروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا : لا قضاء على المحصر ، وليس لهما مخالف ، فكان إجماعا : ولأنه تحلل من نسكه بسبب عام ، لم ينسب فيه إلى التفريط ، فوجب أن لا يلزمه القضاء ، كالمتحلل بعد [ ص: 353 ] كمال الحج : ولأن دم الإحصار إنما وجب بدلا عما أحل بفعله من الأركان ، بدليل أنه لا يجوز أن يتحلل قبل نحره ، وإذا كان الدم بدلا منها ، وجب أن لا يلزمه القضاء كما لو أكملها .

فإن قيل : فيجب على هذا أن لا يلزم الفائت القضاء .

قلنا : دم الفوات وجب لأجل التأخير بدلا من الأفعال .

فإن قيل : إذا قام الدم مقام الأفعال ، يجب أن يجزئه ذلك عن حجة الإسلام .

قلنا : قد يكون الشيء بدلا عن الشيء في حكم ، ولا يكون بدلا عنه في جميع الأحكام ، كالتيمم بدل من الطهارة في سقوط الفرض ، وليس هو ببدل عنه في أن يؤدي به كل فرض .

فأما الجواب عن حديث الحجاج ، يقتضي أن المتحلل بالمرض يلزمه القضاء ، ولنا فيه كلام سيأتي .

وأما قولهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى عمرته ، وسماها عمرة القضية والقضاء .

قلنا : هذه التسمية ليست من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من أصحابه ، وإنما هو من أهل السير والمغازي ، فلم يكن فيه حجة على أنها سميت عمرة القضية والقضاء : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاضى عليها سهيل بن عمرو على أن يرجع في العام المقبل ، ولذلك سميت عمرة القصاص : لأنه اقتص منهم حين منعوه ، وفيها أنزل الله تعالى : والحرمات قصاص [ البقرة : 194 ] ، وأما عائشة - رضي الله عنها - فكانت قارنة : لقوله صلى الله عليه وسلم لها : طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك .

وأما قياسه على الفوات ، فالفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن الغالب من الفوات حدوثه من تفريط ، وليس كذلك الإحصار .

والثاني : أنه لما لزمه بعد الفوات أن يأتي بما قدر عليه من الأفعال ، لزمه القضاء ، ولما لم يلزمه بعد تحلل الإحصار أن يأتي بما قدر عليه ، لم يلزمه القضاء .

وأما الإحصار الخاص ، ففيه قولان :

أحدهما : لا قضاء ، فعلى هذا قد استويا .

والثاني : عليه القضاء ، فعلى هذا ، الفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : قد ذكرناه : وهو لحوق المشقة الغالبة في العام ، وعدمها في الخاص .

والثاني : أن في الإحصار العام يمتنع سلوك الطريق ، وذلك شرط في وجوب الحج ، فسقط القضاء ، وفي الخاص لا يمتنع سلوك الطريق ، فوجب القضاء .

[ ص: 354 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث