الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب قتال أهل الردة وما أصيب في أيديهم من متاع المسلمين من كتاب قتل الخطأ .

قال الشافعي رحمه الله : " وإذا أسلم القوم ثم ارتدوا عن الإسلام إلى أي كفر كان في دار الإسلام أو دار الحرب ، وهم مقهورون أو قاهرون في موضعهم الذي ارتدوا فيه ، فعلى المسلمين : أن يبدءوا بجهادهم قبل جهاد أهل الحرب الذين لم يسلموا قط " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن المرتد عن الإسلام إلى غيره من الأديان لا يجوز أن يقر على دينه ، سواء ولد على الإسلام ثم ارتد ، أو أسلم عن كفر ثم ارتد ، وسواء ارتد إلى دين يقر عليه أهله أم لا ، قال الله تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [ آل عمران : 85 ] ، وقال تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم [ البقرة : 217 ] .

وروى الشافعي ، عن سفيان ، عن أيوب ، عن عكرمة ، قال : لما بلغ ابن عباس أن عليا عليه السلام أحرق المرتدين قال : لو كنت أنا لم أحرقهم ولقتلتهم : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله . فإذا ثبت أنه لا يقر على ردته فلا يخلو حاله من أحد أمرين :

إما أن يكون واحدا مقهورا فقد مضى حكمه في وجوب قتله إن لم يتب .

وإما أن يكونوا جماعة قاهرين ، فالواجب أن يبدأ بقتالهم قبل قتال أهل الحرب : لقول الله تعالى : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار [ التوبة : 123 ] فكان من عدل عن ديننا أقرب إلينا ، ولأن الصحابة أجمعوا على الابتداء بقتالهم حين ارتدوا بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ارتد ، وكان قد جهز جيش أسامة بن زيد إلى الروم فقال له الصحابة : لو صرفت الجيش إلى قتال أهل الردة . فقال : والله لو انثالت المدينة سباعا علي ما رددت جيشا جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدل احتجاج أبي بكر عليهم بأنه لم يردهم : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهزهم على إجماعهم أن البداية بالمرتدين أولى ، ولأن الردة عن الإسلام أغلظ من الكفر الأصلي : لثلاثة معان :

أحدها : أنه لا يقر على ردته ، وإن أقر الكافر على كفره .

والثاني : أنه بتقدم إسلامه قد أقر ببطلان الدين الذي ارتد إليه ، ولم يكن من الكافر إقرار ببطلانه .

والثالث : أنه يفسد قلوب ضعفاء المسلمين ، ويقوي نفوس المشركين ، فوجب لغلظ حاله أن يبدأ بقتال أهله . فإذا أراد قتالهم لم يبدأ به إلا بعد إنذارهم وسؤالهم عن سبب ردتهم ، فإن ذكروا شبهة أزالها ، وإن ذكروا مظلمة رفعها ، فإن أصروا بعد ذلك على الردة قاتلهم ، وأجرى على قتالهم حكم قتال أهل الحرب من وجه ، وحكم قتال أهل البغي من وجه .

فأما ما يساوون فيه أهل الحرب من أحكام قتالهم ويخالفون فيه أهل البغي ، فمن أربعة أوجه :

أحدها : أنه يجوز أن يقاتلوا مدبرين ومقبلين ، ولا يقاتل أهل البغي إلا مقبلين .

والثاني : يجوز أن يوضع عليهم البيان والتحريق ، ويرموا بالقرادة والمنجنيق ، ولا يجوز ذلك في أهل البغي .

والثالث : إباحة دمائهم أسرى وممتنعين ، ولا يجوز ذلك في أهل البغي .

والرابع : مصير أموالهم فيئا لكافة المسلمين ، ولا يكون ذلك في أموال أهل البغي .

وأما ما يوافقون فيه أهل البغي ، ويخالفون فيه أهل الحرب فمن أربعة أوجه :

أحدها : أنهم لا يهادنوا على الموادعة إقرارا على الردة ، وإن جاز مهادنة أهل الحرب .

والثاني : إنه لا يجوز أن تؤخذ منهم الجزية ولا أن يصالحوا على مال يقروا به على الردة ، وإن جاز ذلك في أهل الحرب .

والثالث : أنه لا يجوز أن يسترقوا ، وإن جاز استرقاق أهل الحرب .

والرابع : أنه لا يجوز أن تسبى ذراريهم ولا تغنم أموالهم ، وإن جاز ذلك في أهل الحرب . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث