الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام ابن الزاغوني عن وجوب النظر

وابن الزاغوني ممن يقول بوجوب النظر، وأن المعرفة لا تحصل إلا به، حتى قال: (فصل: إذا قال القائل: أنا أعتقد حدوث العالم والتوحيد وصحة الدين، وأقر بالنبوة لا بطريق النظر والاستدلال، ولا عن نظر في حجة أو دليل، لكن بطريق التقليد في ذلك، أو مما سوى ذلك، مما لا يسند إلى معرفة ثابتة عن نظر في حجة أو دليل بحيث ينتهي الاستدلال إلى العلم الحق، فهذا ليس هو بمؤمن، ولا نحكم بأنه مؤمن عند الله، ولا يثاب على هذا الإيمان، بل هو معاقب ملوم على ترك ما أمر به من العلم بالله وصحة الدين والنبوة، والنظر فيما يقتضي به النظر فيه إلى معرفته بذلك بطريق اليقين).

قال: (وقالت طائفة: هو مؤمن عندنا وعند الله إذا صادف اعتقاده التوحيد والنبوة، وما يجب عليه اعتقاده من الحق في المعارف الدينية، سواء كان ممن يتهيأ له ذلك بطريق انقطع فيه بأدلته، أو ممن لا يتهيأ له ذلك)

قال: (وقالت طائفة: هو مؤمن في الظاهر عندنا، ولا نعلم: هل هو مؤمن عند الله أم لا؟ وقالت طائفة: نحكم بأنهم مؤمنون ما لم يخطر ببالهم ما يخالف ذلك من التشبيه والحيز، وإبطال النبوات، وأعراض [ ص: 46 ] الشبه في ذلك. فإذا خطر لهم شيء من ذلك وجب عليهم النظر والاستدلال لدفعه، وأن لا يتمكثوا ولا يتثبطوا عن النظر حتى يصلوا إلى عين الحق الرافع للشبهة، فإن لم يصلوا إلى ذلك لم يؤدوا ما فرض عليهم من الإيمان على حقه، وإن عجزوا عن ذلك لم يكن عجزهم عذرا عن الوصول إلى حقيقة الحق).

قال: (وقالت طائفة: لا يجب عليهم ذلك، ويحل لهم البقاء على ما هم عليه، وأن لا يعتقدوا في ذلك شيئا، مع القيام على السنة).

قال: (والدلالة عليه أنا قد قدمنا الدليل على وجوب معرفة الله، وسائر المعارف الدينية: من التوحيد، وصحة النبوة، والدين. وبينا أن حقيقة المعرفة إنما تكون بالعلم وأبطلنا أن يكون التقليد طريقا إلى العلم. وإنما يصل إلى العلم به واليقين فيه إذا خرج عن الشبهة العارضة، الموجبة للشك، الناقلة عن الحق. وإذا ثبت ذلك بالأدلة المتقدمة، فمدعي المعرفة مع ترك النظر والاستدلال -المؤدي إلى الدليل القاطع المتوقف على حقيقة التوحيد والمعارف الدينية- مبطل، وإذا كان مبطلا في معرفته لم نحكم بإيمانه؛ لأن الإيمان ها هنا هو التصديق، وإنما يصدق بما يزول معه الشك، ويبرأ من عهدة الاشتباه). وبسط الكلام في ذلك على العادة المعروفة.

وقد قال في كتابه الكبير الذي سماه «منهاج الهدى»: (فصل في معرفة الله وسائر معارف الدين: كسبية وليست حاصلة بطريق الاضطرار).

قال: (وقال طوائف، منهم الجاحظ وصالح قبة وفضل [ ص: 47 ] الرقاشي والصوفية وكثير من الشيعة: معارف الدين كلها حاصلة بطريق الضرورة. ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال طائفة، منهم صالح قبة: إن الله جعل معارف دينه ضرورة يبتديها ويخترعها في قلوب البالغين، من غير سبب متقدم، ولا بحث ولا نظر، وهو قول طائفة من الشيعة.

وقالت طائفة من الشيعة: إن الله يخترعها في قلوب البالغين، لكن من المحال أن يفعلها فيهم إلا بعد فكر ونظر يتقدمها، ثم يهب الله المعرفة لمن أحب، كما يهب الولد عند الوطء، وقد يجوز أن لا يهبها مع النظر، كما لا يهب الولد مع الوطء.

وقالت طائفة من الشيعة: الخلق مضطرون إلى المعارف بالأسباب، فإذا حصلت عن الأسباب كانوا مختارين للمعرفة، مضطرين إليها في حال واحدة، فيكون مضطرا للسبب مختارا للإرادة.

وقال طائفة من المعتزلة القائلين بأن المعرفة ضرورة: إن الله لا يخترع شيئا من أمور الدين والدنيا وعلومهما اختراعا، ولكنها تحدث من بعد الإرادة وطباعا، وأن الله خلق العباد وهيأهم لاكتساب الإرادة، وما يحدث بعدها من نظر وغيره فهو واقع بالطبع، وليس يضاف إلى الإنسان إلى على سبيل المجاز والاتساع).

قال: (وقالت طائفة من المعتزلة، منهم غيلان بن مروان: إن [ ص: 48 ] معرفة الإنسان لنفسه ومعرفة صانعه وأنه غيره، يضطر الإنسان إليها بالطبع، فأما باقي المعارف الدينية فكلها اكتساب).

قال: (وقالت طائفة، منهم أبو الهذيل العلاف: معرفة العلم والدليل الذي يدعو إلى معرفة الصانع اضطرار. فأما ما يحدث بعدها من علم فعام بالقياس، فذلك علم اختيار واكتساب).

قال: (وقالت: طائفة، منهم بشر بن المعتمر: معرفة الإنسان لنفسه ليست من فعله ولا من كسبه ولا اضطرارا إليها، بل تخترع له وتخلق مخترعة في قلبه، وما يدرك بالحواس من علوم الديانات وغيرها اضطرار، وما يعلم بالقياس اكتساب، ويجوز فيهما جميعا الاضطرار، ويجوز فيهما جميعا أن يكونا اكتسابا).

قال: (وقالت طائفة من المعتزلة: الناس مضطرون إلى ذلك على كل حال، وليس لهم في ذلك حيلة).

قال: (وقالت طائفة من المعتزلة، منهم الجاحظ: معرفة الله تقع ضرورة في طباع نامية عقب النظر والاستدلال). [ ص: 49 ]

قال: (وقالت الجبرية، ومتقدمهم جهم بن صفوان: معرفة الله تقع باختيار الله لا باختيار العبد، وبنوه على مذهبهم في الجبر).

قال ابن الزاغوني: (وتفيد هذه المسألة فائدة حكيمة، وهو أن القائل بمعرفة الله واجبة بطريق الكسب يقول: إن الله يعاقب العبد على جهله بالله وجهله بالدين واعتقاد الباطل. وأما من قال: إنها ضرورية، فإنه يقول: فائدة ذلك أنه لا يجوز أن يعذب الله الجاهل على جهله، وعلى أنه لم يكتسب المعرفة؛ لأن ذلك ليس من مقدوراته، وإنما يعذبه على جحده وإنكاره لما عرفه إياه بطريق اضطراره له إليه).

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث