الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ويجاب عن هذه الحجة بوجوه أحدها: قوله: (يلزم التسلسل وهو محال) ليس كذلك، فإن التسلسل جائز عند من يقول بموجب هذه الحجة، فإن ذلك تسلسل في الآثار لا في المؤثرات، ولا يصح القول بموجبها إلا بذلك، فقولهم: التسلسل محال، باطل على أصلهم. وهذا الموضع مما يشتبه على كثير من الناس، فإن التسلسل في الآثار: تارة يعنى به التسلسل في أعيان الآثار، مثل كونه فاعلا لهذا بعد هذا، ولهذا بعد هذا، وأنه لا يفعل هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا، وهلم جرا. فهذا التسلسل جائز عند الفلاسفة، وعند أئمة أهل الملل، أهل السنة والحديث. [ ص: 239 ]

وعلى هذا التقدير، فقول القائل: الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري في العالم: إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون. أتريد به التي يتم بها مؤثريته في كل واحد واحد من آحاد العالم؟ أو في جملة العالم؟

إن أردت الأول، لم تكن بأسرها أزلية، وكان حدوث كل واحد منها مفتقرا إلى حادث قبله. وهذا التسلسل جائز عندهم.

وإن أردت الثاني، قيل لك: ليس جملة العالم متوقفا على أمور معينة، حتى يرد عليها هذا التقسيم، بل بعض العالم يتوقف على أمور، وبعض آخر يتوقف على أمور أخرى، وكل بعض يتوقف على أمور حادثة، وتلك الأمور تتوقف على أمور أخرى، ويلزم من ذلك التسلسل في نوع الحادث، وهو جائز عندكم.

وأما أن أريد بالتسلسل في الآثار، التسلسل في جنس التأثير، وهو أن يكون جنس التأثير متوقفا على جنس التأثير، بحيث لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا، فهذا باطل لا ريب فيه، وهو تسلسل في تمام كون المؤثر مؤثرا، وهو من جنس التسلسل في المؤثر.

لكن بطلان هذا يستلزم أنه لم يفعل بعد أن لم يكن فاعلا لشيء، فيلزم دوام نوع الفاعلية لا دوام مفعول معين، وحينئذ فلا يدل على قدم شيء من العالم، وهذا بين لمن تدبره.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث