الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوجه الثاني والعشرون على فساد كلام آخر ثابت بن قرة في تلخيص ما بعد الطبيعة

الوجه الثاني والعشرون: أن يقال: قولكم: (فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء، ولا قبول لتغيير، ولا لحدوث [ ص: 312 ] شأن متجددة) أمر لم يذكروا عليه حجة عقلية، إلا ما ذكرتموه من أن هذه الذات ليس فيها نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوقها ما تزداد منه، ولا يعرض لها ما يحتاج دفعه.

فيقال لكم: الجوهر المتحرك أهو محتاج إلى شيء من خارج، وفوقه ما يزداد منه، ويعرض له ما يحتاج إليه في دفعه، أم ليس كذلك؟

فإن قلتم: إنه بهذه الصفة وهو متحرك، لم يكن في ثبوت هذه الصفات ما يمنع كون الموصوف متحركا، فيجوز حينئذ على الأول أن يكون متحركا قابلا لقيام الأمور الاختيارية به، كما يقبله الجوهر المتحرك؛ إذ كان كلاهما مشتركا في هذه الصفات.

وإن قلتم: ليس كذلك، وإن الجوهر المتحرك يعرض له ما يدفعه عن نفسه.

قيل لكم: ليس هذا قولكم، وبتقدير أن يعرض له، فليس فوقه ما يدفع هذا عنه؛ إذ عندكم ليس فوقه فاعل، إنما فوقه محبوب ليس بفاعل ولا مؤثر: لا بإرادة ولا بدون إرادة.

وكذلك إن قلتم: إنه يحتاج إلى تمام من خارج، أو فوقه جوهر يقتبس منه زيادة.

قيل لكم: فمن الذي يفيده الزيادة ويزيل عنه الحاجة غيره؟

فإن قلتم: الأول. فالأول عندكم ليس يؤثر أثرا، ولا يفعل فعلا: لا عن إرادة ولا عن غير إرادة. وكونه محبوبا لا يقتضي أنه يفعل بالمحب فعلا [ ص: 313 ] يزداد به، إذ كان الفاعل للحب في المحبوب المحرك له إلى المحبوب ليس نفس المحبوب؛ إذ كل عاقل يعلم أن الخبز إذا أحبه الجائع لم يفعل حركته ولا قصده، كذلك المعشوق الذي لا يشعر بعاشقه، ليس منه فعل ولا حركة يزيد بها المحب شيئا، وإنما يضاف الفعل إليه كما يضاف إلى الجماد.

كما يقال: أهلك الناس الدرهم والدينار. ويقال: قتلني حب المال. ويقال للذهب: قاتول. ويقال للدنيا: غرارة خداعة مكارة، ونحو ذلك مما يضاف إلى ما تحبه النفوس وتهواه، من غير فعل منه ولا قصد، فإنما يضاف الفعل إليه لأنه كان بسببه، لا أنه هو المحدث لذلك الفعل ولا الفاعل له، ولا المبدع له، وهذا متفق عليه بين العقلاء.

وإذا كان كذلك فليس في الجوهر الجسماني الفلكي إلا من جنس ما جعلتموه في الأول، وهو غني كغنى الأول، ومع هذا فقد جاز عليه الحركة وقيام الحوادث به، فكذلك في الأول.

وإذا جاز أن يقال: إن الفلك يتحرك بنفسه، فلم لا يجوز أن يقال: إنه يشتاق إلى نفسه؟

وإذا قيل: إن الأول هو محبوب مشتاق إليه، فلم لا يجوز أن يكون محبا لنفسه، وحركته من المحبة لنفسه؟

وإذا قلتم: إلى أي شيء يتحرك؟

قيل لكم: والفلك إلى أي شيء يتحرك؟

فإذا قلتم: لإخراج ما لا يمكن وجوده دفعة عن الأيون والأوضاع.

قيل لكم: ولم لا يجوز على هذا أن تقولوا: إن الأول يتحرك لإخراج [ ص: 314 ] ما لا يمكن وجوده دفعة من أحواله وشؤونه، ثم الحوادث المنفصلة تابعة لذلك كما قلتم مثل ذلك في الفلك؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث