الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بقية كلام ثابت بن قرة ورد ابن تيمية عليه

قال ثابت: (فليس يوجد إذن أمر يجتذب هذه الذات بالطبع وبغير إرادة، وليس يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات إلى حال أو شأن ليس هي المبدأ الأول له والعلة فيه).

فيقال لهم: أولا: لم تقيموا دليلا على شيء من ذلك. فإنكم لم تجعلوها فاعلا لشيء ولا مؤثرا فيه أصلا، فليست مبدأ لشيء من الأشياء ولا علة له، إلا من كونها محبوبة فقط، وليس في هذه الجهة أنها تحدث شيئا، ولا أنها تبدع شيئا.

وإذا كان كذلك فما المانع أن يكون غيرها جاذبا لها وداعيا لها إلى شيء؟ وما المانع أن تكون هي محبة لغيرها؟ وأنتم لم تذكروا على امتناع ذلك حجة أصلا.

والمسلمون، وغيرهم من أهل الملل، إذا نزهوا الله عن الحاجة إلى غيره، فهم يثبتون أنه رب غيره ومليكه وخالقه. وأنتم لم تثبتوا أنه رب كل ما سواه ومليكه وخالقه.

وحينئذ فلا دليل لكم على انتفاء الحاجة عنه، لا سيما مع أنه يلزمكم أن تجعلوا العالم واجب الوجود بنفسه مع فقره إليه، فيكون الواجب بنفسه فقيرا إلى غيره، أو تجعلوه ممكنا لا بد له من فاعل، فيكون الأول مبدعا فاعلا لغيره، والفاعل، كما ذكروه، يستلزم أن يكون له فعل وإرادة، وهذا نقيض قولهم. [ ص: 318 ]

ويقال لهم: ثانيا: لم لا يجوز أن يكون مفعولها المحتاج إليها هو الداعي الجاذب؟ وليس في هذا افتقار إلى ما هو مستغن عنها، وأنتم لم تقيموا دليلا على انتفاء ذلك.

ويقال لهم: ثالثا: لم لا يجوز أن يكون هو المبدأ لما يفعله، والداعي منه لا من غيره، وهو المحب لنفسه؟ وقد ذكر أئمتكم في كتبهم أنه عاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ به.

قال: وبالجملة فكل ما كان له ما هو بالطبع، على الجهة الطبيعية التي يمحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع، إلى حال لا تملكها إرادته، والمشتاق معلول من جهة شوقه للشيء المشوق إليه، والشيء المشوق إليه مبدأ له في ذلك الشوق، ومن جهة أي هو له علة تمامية من جهة من الجهات. وليس يليق هذا الأمر ألبتة بالمبدأ الأول. ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ولكل حركة.

فيقال له: الكلام على هذا من وجوه:

الأول: قولكم: إن الأول مبدأ لكل طبيعة وكل شوق وكل حركة، كلام مناقض لما ذكرتموه، فإنكم لم تجعلوه إلا محبوبا فقط، لا فاعلا مبدعا، ولا علة فاعلة، ومجرد كون الشيء محبوبا لا يوجب أن يفعل شيئا في غيره. وقد علم الفرق بين العلة الفاعلة والغائية.

والثاني: قولكم: إن المشتاق إليه علة للمشتاق. فيقال لكم: ولم يمتنع أن يكون محبا لنفسه؟ فهو المحب المحبوب. [ ص: 319 ]

الثالث: أن يقال: ما المانع أن يكون محبا مريدا لما هو مفعول مصنوع له؟ وليس في هذا كونه معلولا لغيره؛ لأن ذلك الغير هو معلوله من كل وجه، مفعول له بكل طريق، محتاج إليه بكل سبب.

وليس في حب الشيء وإرادته لمثل ذلك نقص، بل هذا من الكمال. فإن من أراد ما هو مفعول له معلول له، وهو قادر على ذلك المراد المحبوب، كان هذا غاية الكمال، بخلاف من لا يفعل شيئا منفصلا عنه، ولا يريده، ولا يقدر عليه، بل ولا يفعل فعلا قائما بنفسه، بل هو كالجماد الذي ليس له صفة كمال، بل كالمعدوم.

الرابع: قولكم: (وليس يليق هذا ألبتة بالمبدأ الأول) كلام بلا برهان، وأنتم تدعون البرهان والحجة -وقد ذكر هذا غيركم- لم ترضوا أن تجعلوا هذا خطابة، بل جعلتموه دون الخطابة، وأنتم تجعلونه عمدة في مثل هذا الأمر العظيم بلا حجة أصلا، مع أنكم لم تثبتوا أن الأول مبدأ ولا فاعل أصلا، إلا بجهة كونه محبوبا، مع أنكم لم تقيموا على ذلك دليلا.

الخامس: قوله: (كل ما كان ما هو له بالطبع من الجهة التي ينحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته).

فيقال لهم: هذه قضية كلية لم يذكروا عليها دليلا، وغاية ما يستدلون به أن يقولوا: وجدنا المتحركات بالإرادة كذلك الحيوان.

فيقال لهم: وكذلك وجدتم ذلك ممكنا مفعولا مصنوعا، مفتقرا إلى [ ص: 320 ] فاعل مبدع، فقولوا: إن الأول ممكن مفعول مصنوع مفتقر إلى فاعل مبدع. فإن كان الدليل قد أثبت موجودا واجبا بنفسه لا يفتقر إلى غيره، فإما أن يكون ذلك هو الفلك، أو أمرا فوق الفلك، فإن كان هو الفلك، وهو مشتاق إلى حال تملكها إرادته، بطل نفيكم لهذا عن الواجب بنفسه.

وإن كان الواجب بنفسه أمرا فوق الفلك، كان هو الفاعل للفلك المبدع له. وحينئذ فالفلك وما فيه محتاج إليه من كل وجه، فليس في الوجود ما هو خارج عن ملكه، حتى يقال: إنه مشتاق إلى ما تملكه إرادته.

السادس: أن هذا الكلام إنما يصح أن لو كان في الوجود ما لا تملكه إرادة الأول. فأما إذا كان كل ما سواه كائنا بإرادته ومشيئته، فليس في الوجود شيء لا تملكه إرادته. وأنتم لم تقيموا دليلا على امتناع إرادته، وإذا كانت إرادته ممكنة على هذا الوجه، كما يقول المسلمون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن -لم يمنع أن يكون مريدا على هذا الوجه.

السابع: أن يقال: كونه يفعل بالطبع، أو نحو ذلك، ليس من عبارة المسلمين. فإذا كانوا يسمون كل ما يفعل فعلا قائما بنفسه متحركا بالطبع، لم ننازعهم في المعنى.

لكن نقول: لم قلتم: إن من كان فاعلا فعلا يقوم به بإرادته مشتاق إلى حال لا يملكها؟

[ ص: 321 ] فإذا سميتم كل ما كان كذلك فاعلا بالطبع، فلم قلتم: إن كل ما كان كذلك مشتاق إلى حال لا يملكها؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث