الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه

وإذا كان حينئذ يمتنع كون الآخر فاعلا له، وذلك يمنع كونه قادرا عليه، امتنع أن يكونا قادرين على مقدور واحد في حال واحدة، وفاعلين لمفعول واحد في حال واحد، بل لا يقدر أحدهما على الفعل إلا إذا تركه الآخر يفعله، وسكت عن فعله استقلالا ومشاركة، ولو أراد الآخر أن يفعله، كان الآخر غير قادر على فعله، فصار المانع لأحدهما من القدرة على الفعل والاستقلال به كون الآخر قادرا عليه فاعلا له.

وذلك يوجب بطلان الربين من وجوه:

منها: أن الممنوع الذي منعه غيره لا يكون قادرا، بخلاف من لم يفعل الفعل لكونه هو لم يرده، فإن هذا لا يمنع قدرته على الآخر.

فإذا كان الرجل قادرا على القيام والقعود فاختار أحدهما بدلا عن الآخر، لم يكن عدم الآخر لعجزه عنه، بل لأنه لم يرده، وهو لا يريد اجتماعهما في حال واحدة؛ لأن ذلك ممتنع لنفسه، لا لكونه غير قادر، أو لكونه عاجزا عنه، فإن الممتنع بذاته ليس بشيء يتصور وقوعه.

ولهذا اتفق النظار على أنه ليس بشيء، فلا يدخل في قوله: إن الله على كل شيء قدير [سورة البقرة: 20]، بخلاف من كان لا يقدر أن يفعل فعلا لأن غيره فعله، فإنه حينئذ يكون غير قادر على أن يفعل مفعول ذلك ولو أراده. [ ص: 366 ]

ولهذا كان أحد الملكين غير قادر على أن يكون ملكا مع ملك غيره، بل إنما يكون ملكا مع انتفاء ملك غيره.

وأيضا فإنه إذا كان أحدهما قادرا، ولم يمنعه أن يكون قادرا فاعلا للفعل إلا كون الآخر قادرا عليه فاعلا له، لزم أن يكون كل منهما ممنوعا حال ما هو مانع، وقادرا حال ما هو غير قادر، فإن أحدهما حينئذ لا يمنعه من الفعل المعين كون الآخر قادرا عليه فاعلا له، وذلك لا يكون قادرا فاعلا، إلا إذا لم يكن ممنوعا، ولا يكون ممنوعا إلا إذا كان المانع قادرا، فيلزم ألا يكون هذا قادرا إلا إذا كان غير قادر، ولا ممنوعا إلا إذا كان غير ممنوع، ولا فاعلا إلا إذا كان غير فاعل، وذلك جمع بين النقيضين.

وهذا كله بين في فطر الناس، فإنهم يعلمون أن من كان أميرا أو متوليا على فعل، أو إماما لقوم، أو قاعدا في مكان، لم يقدر غيره أن يكون أميرا، أو متوليا أو إماما، أو فاعلا، حال كون الآخر أميرا، أو متوليا، أو إماما، أو قاعدا.

فتبين أن القادر على الفعل لا يقدر حال فعل الآخر له، ولا حال قدرة الآخر عليه. أما قدرته حال فعل الآخر، فظاهر الامتناع. وأما حال قدرة الآخر، فلا يمكن أن يفعله، إلا إذا سكت الآخر عن فعله، وتركه وحده يفعل، وأما حال فعل الآخر فلا يكون قادرا.

فتبين أن اجتماع قادرين بأنفسهما ممتنع لذاته في فطر جميع الناس [ ص: 367 ] وحينئذ فالقادر بنفسه هو واحد، فيجب أن يكون الإله العالي الغالب وما سواه مقهور مغلوب.

وحينئذ فلا يكون الواحد قادرا إلا إذا كان الآخر غير قادر، فإن كلا منهم قادر حال عدم قدرة الآخر، فلا يكون أحدهما قادرا إلا مع كون الآخر غير قادر، وكل منهما قدرته من لوازم ذاته إن كان قادرا، فيلزم من ذلك أن يكون كل منهما لا يزال قادرا غير قادر، فيلزم الجمع بين النقيضين.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث