الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام ابن ملكا في المعتبر عن مسألة عدم الله وتعليق ابن تيمية عليه

قال أبو البركات: (فأما معرفته وعلمه فقد اختلف فيه كثير من العلماء، من المحدثين والقدماء) يعني علماء النظار من الفلاسفة، لا يعني به أتباع الأنبياء.

قال: (فقال قوم منهم: إنه لا يعرف ولا يعلم سوى ذاته، وصفاته التي له بذاته. وقال آخرون: بل يعرف ذاته وسائر مخلوقاته، في [ ص: 403 ] سائر الأوقات، على اختلاف الحالات، فيما هو كائن، وفيما هو آت. وقال آخرون: بل يعرف ذاته بذاته، والصفات الكلية من مخلوقاته، والذات الدائمة الوجود من معلولاته، ولا يعرف الجزئيات، ولا يعلم الكليات الفاسدات المتغيرات المستحيلات، ولا شيئا من الحوادث من الأفعال والذات).

قال: واشتهر القول بين المتفلسفة من القدماء بالمذهب الأول، أعني تنزيه الذات فقط، وبين المحدثين القول الثالث: وهو معرفة الكليات. وضعفت بينهم حجج القائلين بمعرفة الجزئيات، لتدقيق النظر، وتقرير أصول لم تحرر، وافقهم عليها السامعون، فألزمهم بتصديقهم من حيث لا يشعرون.

قال: ونحن الآن نقتص مذاهب الذين يقولون بأنه تعالى لا يعرف الجزئيات وحججهم، ثم نشرع في اعتبارها والنظر فيها، وفي مذهب القائلين بخلافها، ونجري على العادة في توفية كل مذهب حجته، [ ص: 404 ] مما قيل، ومما لم يقل، حتى ينتهي النظر إلى الحجة التي لا مرد لها، ولا حجة تبطلها، فنعرف الحق فيها.

ثم قال: الفصل الرابع عشر: في شرح كلام من قال: إن الله لا يحيط علما بالموجودات.

قال أرسطوطاليس ما هذه حكايته فيما بعد الطبيعة: فأما على أية جهة هو المبدأ الأول، ففيه صعوبة. فإنه إن كان عقلا وهو لا يعقل، كالعالم النائم، فهذا محال. وإن عقل أفترى عقله في الحقيقة لشيء غيره؟ وليس جوهره معقوله، لكن فيه قوة على ذلك، وبحسب هذا لا يكون جوهرا، فإن كان هذا الجوهر بهذه الصفة، أعني أنه عقل، فليس يخلو أن يكون عاقلا لذاته أو لشيء آخر.

فإن كان عاقلا لشيء آخر، فلا يخلو أن يكون عقله دائما لشيء واحد أو لأشياء كثيرة.

فإن كان معقوله لأشياء كثيرة، فمعقوله على هذا منفصل عنه، فيكون كماله إذن لا في أن يعقل ذاته، لكن في عقل شيء آخر، أي شيء كان.

إلا أنه من المحال أن يكون كماله بعقل غيره؛ إذ كان جوهرا في [ ص: 405 ] الغاية من الإلهية والكرامة والعقل، فلا يتغير. والتغير فيه انتقال إلى الأنقص، وهذا هو حركة ما، فيكون هذا العقل ليس عقلا بالفعل، لكن بالقوة.

وإن كان هكذا، فلا محالة أنه يلزمه الكلال والتعب في إيصال العقل للمعقولات، ومن بعد فإنه يصير فاضلا بغيره، كالعقل في المعقولات، فيكون ذلك العقل في نفسه ناقصا، ويكمل بمعقولاته.

وإن كان هذا هكذا، فيجب أن يهرب من هذا الاعتقاد، وأن لا يبصر بعض الأشياء أفضل من أن يبصرها، فكمال ذلك العقل إذ كان أفضل الكمالات، يجب أن يكون بذاته لها، فإنها أفضل الموجودات وأكملها وأشرف المعقولات.

وهذا يوجد هكذا دائما، دون تعرف أو حسن أو رأي أو فكر. فهذا ظاهر جدا، فإنه إن كان معقول هذا العقل غيره، فإما أن يكون شيئا واحدا دائما، أو يكون علمه بما يعلمه واحدا بعد آخر.

وهذه الأمور بالهيولى غير الصورة، فأما في الأمور العقلية، فطبيعة الأمر وكونه معقولا شيء واحد، فليس العقل فيها شيئا غير المعقول. [ ص: 406 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث