الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 319 ] الباب الخامس

                                                                                                                                                                                                                              في سبب دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم

                                                                                                                                                                                                                              واستخفاء المسلمين حال عبادتهم ربهم تبارك وتعالى


                                                                                                                                                                                                                              دخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم يعبد الله تعالى فيها سرا من قومه ، ودخل معه جماعة حتى تكامل المسلمون أربعين رجلا وكان آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، فلما تكاملوا أربعين رجلا خرجوا فلما أسلم عمر قال : يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ فقال : يا عمر إنا قليل . فقال عمر : فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان .

                                                                                                                                                                                                                              وسيأتي بسط ذلك في إسلام عمر رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                                                              روى الحافظ أبو الحسن سليمان بن خيثمة الأطرابلسي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور ، فقال : يا أبا بكر إنا قليل .

                                                                                                                                                                                                                              فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرقهما لوجهه من على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه .

                                                                                                                                                                                                                              وجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا : والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة . فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم في آخر النهار فقال : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه وقالوا لأمه أم الخير انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه .

                                                                                                                                                                                                                              فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت : والله ما لي علم بصاحبك . فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه . فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله . فقالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك . فقالت : نعم .

                                                                                                                                                                                                                              فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت : والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر وإني لأرجو أن ينتقم الله منهم . قال : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : هذه أمك تسمع . قال : فلا شيء عليك [ ص: 320 ]

                                                                                                                                                                                                                              منها . قالت : سالم صالح . قال : فأين هو؟ قالت : في دار الأرقم . قال : فإن لله علي أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأمهلنا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ علي حتى أدخلناه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله وأكب عليه المسلمون ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة ، فقال أبو بكر : بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك ، فعسى الله أن يستنقذها بك من النار . فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وأقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا ، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر .

                                                                                                                                                                                                                              ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب أو لأبي جهل بن هشام ، فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة ، فقام عمر فقال : يا رسول الله علام نخفي ديننا فذكر نحو ما سبق .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر إسلام عمر هنا غريب والصحيح أنه أسلم بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن إسحاق : ودخل الناس أرسالا الرجال والنساء في دين الله ، حتى فشا الإسلام بمكة وتحدث به . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحيي بعير فشجه وكان أول دم أهريق في الإسلام .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية