الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              تنبيهات

                                                                                                                                                                                                                              الأول : اختلف في موضع الخاتم من جسده صلى الله عليه وسلم : ففي صحيح مسلم : أنه عند نغض كتفه الأيسر . وفي رواية شاذة عن سلمان أنه عند غضروف كتفه اليمنى عزى هذه الرواية الشيخ في الخصائص الكبرى والسخاوي في جمع طرق قصة سلمان من رواية أبي قرة الكندي عنه لدلائل البيهقي ولم أر ذلك في نسختين منها ، لا في الكلام على خاتم النبوة ولا في قصة سلمان ، فكأنه في موضع آخر غيرهما .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : قال العلماء : هذه الروايات متقاربة في المعنى وليس ذلك باختلاف بل كل راو شبه بما نسخ له ، فواحد قال كزر الحجلة وهو بيض الطائر المعروف أو زرار البشخاناه . وآخر كبيضة الحمامة . وآخر كالتفاحة وآخر بضعة لحم ناشزة . وآخر لحمة ناتئة . وآخر كالمحجمة .

                                                                                                                                                                                                                              وآخر كركبة العنز . وكلها ألفاظ مؤداها واحد وهو قطعة لحم .

                                                                                                                                                                                                                              ومن قال : شعر . فلأن الشعر حوله متراكب عليه كما في الرواية الأخرى .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو العباس القرطبي في «المفهم» : دلت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه صلى الله عليه وسلم الأيسر إذا قلل قدر بيضة الحمامة ، وإذا كبر قدر جمع اليد .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر نحوه القاضي وزاد : وأما رواية جمع اليد فظاهرها المخالفة ، فتتأول على وفق الروايات الكثيرة ، ويكون معناها : على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : قال السهيلي رحمه الله تعالى : والحكمة في كون الخاتم عند نغض كتفه الأيسر أنه معصوم من وسوسة الشيطان ، وذلك الموضع منه يوسوس لابن آدم .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : روى أبو عمر بسند قوي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فأري جسدا ممهى يرى داخله من خارجه ، وأري [ ص: 50 ] الشيطان في صورة ضفدع عند كتفه حذاء قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس .

                                                                                                                                                                                                                              قال السهيلي : والحكمة في وضع خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه صلى الله عليه وسلم لما ملئ قلبه إيمانا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درا ، فجمع الله تعالى أجزاء النبوة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتممه وختم عليه بختمه فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم ، لأن الشيء المختوم محروس ، وكذلك تدبير الله تعالى لنا في هذه الدار إذا وجد أحدنا الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين ، فلذلك ختم رب العالمين في قلبه ختما يطمئن له القلب وألقى فيه النور ونفذت قوة القلب فظهر بين كتفيه كالبيضة .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : قال الحافظ : مقتضى الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودا عند ولادته صلى الله عليه وسلم ، وإنما وضع لما شق صدره عند حليمة وفيه تعقب على من زعم أنه صلى الله عليه وسلم ولد به ، وهو قول نقله أبو الفتح بلفظ : قيل ولد به وقيل حين وضع . ونقله مغلطاي عن ابن عائذ .

                                                                                                                                                                                                                              قال الحافظ : وما تقدم أثبت .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : وصححه في «الغرر» وتقدمت الأحاديث التي فيها ذكر الختم في باب شق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم فراجعها .

                                                                                                                                                                                                                              ومقتضاها والحديث السابق أول هذا الباب أن الختم تكرر ثلاث مرات : الأول وهو في بلاد بني سعد . والثانية : عند المبعث . والثالثة : ليلة الإسراء ، ولم أقف في شيء من أحاديث شق صدره صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين على ذكر الخاتم . فالله تعالى أعلم .

                                                                                                                                                                                                                              الخامس : سئل الحافظ برهان الدين الحلبي رحمه الله تعالى : هل خاتم النبوة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أو كل نبي مختوم بخاتم النبوة ؟ فأجاب : لا أستحضر في ذلك شيئا ولكن الذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم خص بذلك لمعان منها : أنه إشارة إلى أنه خاتم النبيين وليس كذلك غيره . ولأن باب النبوة ختم به فلا يفتح بعده أبدا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحاكم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال : لم يبعث الله نبيا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى ، إلا أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم ، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              فعلى هذا يكون وضع الخاتم بظهر النبي صلى الله عليه وسلم مما اختص به عن الأنبياء وجزم به الشيخ رحمه الله تعالى في «أنموذج اللبيب» كما في النسخ الصحيحة خلافا لما وقع في غيرها مما يخالف ذلك . [ ص: 51 ]

                                                                                                                                                                                                                              السادس : قال القاضي رحمه الله تعالى : إن الختم هو أثر شق الملكين لما بين كتفيه .

                                                                                                                                                                                                                              وتعقبه النووي فقال : هذا باطل لأن الشق إنما كان في صدره صلى الله عليه وسلم وبطنه ، وقال القرطبي أثره- أي الشق- إنما كان خطا واضحا من صدره إلى مراق بطنه كما في الصحيح . ولم يثبت قط أنه بلغ الشق حتى نفذ من وراء ظهره ، ولو ثبت لزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى بطنه أي أسفل بطنه لأنه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراق البطن . قال : فهذه غفلة من القاضي .

                                                                                                                                                                                                                              قال الحافظ رحمه الله تعالى : كذا قال . وقد وقفت على مستند القاضي وهو حديث عتبة بن عبد السلمي وفيه أن الملكين لما شقا صدره صلى الله عليه وسلم قال أحدهما للآخر خطه فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة . انتهى . فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه كان ذلك أثر الختم .

                                                                                                                                                                                                                              وفهم النووي وغيره أن قوله : «بين كتفيه» متعلق بالشق ، وليس كذلك بل هو متعلق بالختم ويؤيده ما في حديث شداد بن أوس عند أبي يعلى وأبي نعيم في الدلائل أن الملك لما أخرج قلبه وغسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور فامتلأ نورا وذلك نور النبوة .

                                                                                                                                                                                                                              فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر لأن القلب في تلك الجهة .

                                                                                                                                                                                                                              وفي حديث عائشة عند أبي داود الطيالسي وابن أبي أسامة وأبي نعيم في الدلائل أن جبريل وميكائيل لما تراءيا له عند المبعث « هبط جبريل فسلقني لحلاوة القفا ثم شق قلبي فاستخرجه ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم ألقاني وختم في ظهري حتى وجدت برد الخاتم في قلبي قال : اقرأ » وذكر الحديث . هذا مستند القاضي رحمه الله تعالى وليس بباطل .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : وقد تقدم في التنبيه الثالث من كلام السهيلي ما يوضح ما ذكره القاضي فراجعه .

                                                                                                                                                                                                                              السابع : وقع في حديث شداد بن أوس في مغازي ابن عائذ في قصة شق صدره صلى الله عليه وسلم وهو في بلاد بني سعد بن بكر «وأقبل وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه» وهذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده صلى الله عليه وسلم والعلم عند الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                              الثامن : قال الحافظ : ما قيل أن الخاتم كان كأثر المحجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليها : لا إله إلا الله محمد رسول الله أو سر فإنك المنصور . ونحو ذلك فلم يثبت من ذلك شيء ولا يغير بما وقع في صحيح ابن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك . [ ص: 52 ]

                                                                                                                                                                                                                              وقال القطب في «المورد» والمحب ابن الشهاب بن الهائم في «الغرر» : إنه حديث باطل . ونقل أبو الخطاب بن دحية رحمه الله تعالى عن الحكيم الترمذي أنه قال : كان الخاتم الذي بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها : الله وحده . وفي ظاهرها : توجه حيث شئت فإنك منصور . قال ابن دحية : وهذا غريب واستنكروه .

                                                                                                                                                                                                                              وتقدم لهذا مزيد بيان في فصل : اختلف في صفة خاتم النبوة فراجعه .

                                                                                                                                                                                                                              التاسع : قيل إن الخاتم النبوي الذي كان بين كتفيه صلى الله عليه وسلم رفع عند وفاته فكان بهذا عرف موته صلى الله عليه وسلم . فروى أبو نعيم والبيهقي من طريق الواقدي عن شيوخه قالوا : شكوا في موت النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : قد مات . وقال بعضهم : لم يمت . فوضعت أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها يدها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : قد مات ، قد رفع الخاتم من بين كتفيه . وكان بهذا عرف موته صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              ورواه ابن سعد عن الواقدي عن أم معاوية أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكره .

                                                                                                                                                                                                                              والواقدي متروك بل كذبه جماعة .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر في «الزهر» أن الحاكم روى في تاريخه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لمست الخاتم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته قد رفع . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              ووقع لي نصف تاريخ الحاكم فطالعته فلم أر فيه ذلك وكأنه فيما لم يقع لي . فلينظر سنده ، وما أخاله صحيحا . وعلى تقدير كونه صحيحا قال في «الاصطفاء» فإن قيل : النبوة والرسالة باقيتان بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته لأن المتصف بالنبوة والرسالة والإيمان هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن كما صرح به النسفي فلم رفع ما هو علامة على ذلك ؟

                                                                                                                                                                                                                              قلت : لأنه لما وضع لحكمة وهي تمام الحفظ والعصمة من الشيطان وقد تم الأمن منه بالموت فلم يبق لبقائه في جسده فائدة . وما ذكره النسفي من بقاء النبوة والرسالة بعد موت الأنبياء حقيقة هو مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى وعامة أصحابه ، لا لما قال النسفي بل لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم كما وردت به الأخبار وسيأتي تحقيق ذلك في باب حياته في قبره صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              العاشر : روى الحافظ إبراهيم الحربي في غريبه وابن عساكر في تاريخه ، عن جابر [ ص: 53 ] رضي الله تعالى عنه قال : أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفي فكان ينم علي مسكا .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية