الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

[4] ولما قال الكفار: إن لمحمد قلبين: قلب معنا، وقلب مع أصحابه، نزل: [ ص: 338 ]

ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وقيل: نزلت في أبي معمر جميل بن معمر الفهري، وكان لبيبا حافظا، وكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد - صلى الله عليه وسلم -، فانهزم مع المشركين ببدر، وإحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقيل له في ذلك، فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان، ما نسي نعله في يده .

وما جعل أزواجكم اللائي جمع التي. قرأ أبو عمرو ، والبزي عن ابن كثير : (اللاي) بياء ساكنة بدلا من الهمزة في الحالين، وروي عنهما تسهيل الهمزة بين بين، والوجهان صحيحان، وقرأ أبو جعفر ، وورش عن نافع : بتسهيل الهمزة كذلك، وقرأ قالون عن نافع ، وقنبل عن ابن كثير ، ويعقوب : بتحقيق الهمزة، وحذف الياء بعدها; لأن الهمزة المكسورة بدل الياء، وقرأ الكوفيون، وابن عامر : بإثبات الياء ساكنة بعد الهمزة، وكلها لغات معروفة ، وكذلك التعليل والاختلاف في (المجادلة)، وموضعي (الطلاق).

تظاهرون منهن أمهاتكم قرأ عاصم : (تظاهرون) بضم التاء وتخفيف الظاء، وألف بعدها، وكسر الهاء مع تخفيفها; كـ (تقاتلون)، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : كذلك، إلا أنهم بفتح الياء والهاء، أصله: [ ص: 339 ]

تتظاهرون، حذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر : كذلك، إلا أنه بتشديد الظاء على إدغام إحدى التاءين في الظاء، وقرأ الباقون، وهم: نافع ، وأبو جعفر ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : (تظهرون) بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء وفتحها من غير ألف بينهما، أصله: تتظهرون، وأدغمت التاء في الظاء، فشددت .

وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي; أي: حرام كبطن أمي; لقربه من الفرج، وكني عنه بالظهر، لأنه قوام البنية، المعنى: ما جعل نساءكم اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكر وزور، وفيه كفارة، وسيأتي الكلام على ذلك، وعلى الكفارة فيه، واختلاف الأئمة في حكمه في (سورة المجادلة) إن شاء الله تعالى.

وكان الرجل في الجاهلية يتبنى ولد غيره، فينسب إليه، ويتوارثان، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك.

فأنزل الله تعالى: وما جعل أدعياءكم من تبنيتموه أبناءكم حقيقة [ ص: 340 ] في الحكم والحرمة والنسب، ونسخ التبني بهذا، والأدعياء: جمع دعي، وهو من دعي إلى غير أبيه، تلخيصه: ممتنع أن يكون لرجل قلبان، وأن تكون زوجة الرجل أمه، وأن يكون شخص واحد ابن رجلين، إنما.

ذلكم النسب قولكم بأفواهكم لا حقيقة له.

والله يقول الحق وهو أن غير الابن لا يكون ابنا.

وهو يهدي السبيل الطريق المستقيم.

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية