الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قلت: وفي هذا نزاع بين الأصحاب وغيرهم ليس هذا موضعه.

[ ص: 733 ] قال القاضي: وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة وأن ذلك من صفات الذات، فهل يجوز إطلاق الحد عليه؟ قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروذي، فقد ذكر له قول ابن المبارك: نعرف الله على العرش بحد؟ فقال أحمد: بلغني ذلك وأعجبه، وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحكى عن ابن المبارك: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه بحد؟ فقال أحمد: هكذا هو عندنا.

قال القاضي: ورأيت بخط أبي إسحاق، أنا أبو بكر أحمد بن نصر الرفاء، سمعت أبا بكر بن أبي داود، سمعت أبي يقول: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل، فقال له: لله تبارك وتعالى حد؟ قال: نعم؛ لا يعلمه إلا هو، قال الله تبارك وتعالى: وترى الملائكة حافين من حول العرش [الزمر 75] يقول: محدقين [ ص: 734 ] قال: فقد أطلق أحمد القول بإثبات الحد لله، وقد نفاه في رواية حنبل فقال: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد، فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة، وهو الحد الذي يعلمه خلقه، والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين:

أحدهما: أنه تعالى في جهة مخصوصة، وليس هو تعالى ذاهبا في الجهات، بل هو خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات، وهذا معنى قول أحمد: له حد لا يعلمه إلا هو.

والثاني: أنه على صفة يبين بها عن غيره ويتميز؛ ولهذا سمي البواب حدادا؛ لأنه يمنع غيره عن الدخول. فهو تعالى فرد واحد ممتنع عن الاشتراك له في أخص [ ص: 735 ] صفاته، قال: وقد منعنا من إطلاق القول بالحد في غير موضع من كتابنا ويجب أن يجوز على الوجه الذي ذكرنا.

فهو رجوع منه إلى القول بإثبات الحد، لكن اختلف في ذلك كلامه، فقال هنا: ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد على اختلاف حالين؛ فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد. معناه أن ما حاذى العرش من ذاته فهو حد له وجهة له، والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما عدا الجهة المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام والميمنة والميسرة. وكان الفرق [ ص: 736 ] بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل، والعرش محدود؛ فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات وأنه حد وجهة، وليس كذلك فيما عداه؛ لأنه لا يحاذي ما هو محدود، بل هو مار في الميمنة والميسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية؛ فلهذا لم يوصف واحد من ذلك بالحد والجهة، وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات؛ لأنه لا نهاية لها.

قلت: هذا الذي ذكره في تفسير كلام أحمد ليس بصواب بل كلام أحمد، كما قال أولا: حيث نفاه نفي تحديد الحاد له وعلمه بحده، وحيث أثبته أثبته في نفسه، ولفظ الحد يقال على حقيقة المحدود صفة أو قدرا أو مجموعهما، ويقال على العلم والقول الدال على المحدود.

[ ص: 737 ] وأما ما ذكره القاضي من إثبات الحد من نهاية العرش فقط، فهذا قد اختلف فيه كلامه، وهو قول طائفة من أهل السنة، والجمهور على خلافه، وهو الصواب.

التالي السابق


الخدمات العلمية