فإذا العبد المجتهد في الطاعات المجتنب للمعاصي حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام النعمة ، وما تمام النعمة إلا بدخول الجنة وأما العاصي فإذا تاب وتدارك جميع ما فرط منه من تقصير فحقيق بأن يرجو قبول التوبة وأما قبول التوبة إذا كان كارها للمعصية تسوءه السيئة ، وتسره الحسنة ، وهو يذم نفسه ويلومها ، ويشتهي التوبة ويشتاق إليها ، فحقيق بأن يرجو من الله التوفيق للتوبة ؛ لأن ، كراهيته للمعصية وحرصه على التوبة ، يجري مجرى السبب الذي قد يفضي إلى التوبة وإنما الرجاء بعد تأكد الأسباب ولذلك قال تعالى : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله ، معناه أولئك يستحقون أن يرجوا رحمة الله وما أراد به تخصيص وجود الرجاء لأن غيرهم أيضا قد يرجو ، ولكن خصص بهم استحقاق الرجاء فأما من ينهمك فيما يكرهه الله ، تعالى ولا يذم نفسه عليه ، ولا يعزم على التوبة والرجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة ، وعزم على أن لا يتعهده بسقي ولا تنقية
قال يحيى بن معاذ من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة ، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة ، وانتظار زرع الجنة ببذر النار ، وطلب دار المطيعين بالمعاصي ، وانتظار الجزاء بغير عمل ، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
فإذا عرفت حقيقة الرجاء ، ومظنته ، فقد علمت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الأسباب ، وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الإمكان ، فإن من حسن بذره ، وطابت أرضه ، وغزر ماؤه ، صدق رجاؤه ، فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الأرض وتعهدها ، وتنحية كل حشيش ينبت فيها ، فلا يفتر عن تعهدها أصلا إلى وقت الحصاد ، وهذا لأن الرجاء يضاده اليأس ، واليأس يمنع من التعهد ، فمن عرف أن الأرض سبخة ، وأن الماء معوز : وأن البذر لا ينبت ، فيترك لا محالة تفقد الأرض ، والتعب في تعهدها . والرجاء محمود لأنه باعث واليأس مذموم وهو ضده لأنه صارف عن العمل والخوف ليس بضد للرجاء بل هو رفيق له ، كما سيأتي بيانه ، بل هو : باعث آخر بطريق الرهبة كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة فإذا حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال ، والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال .


