الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن نظر في ملكوت السماوات والأرض انكشف له تحقيقا أن الله تعالى دبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه وإن ترك الاضطراب ، فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه ، أما ترى الجنين في بطن أمه لما أن كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته بالأم حتى تنتهي إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرة ، ولم يكن ذلك بحيلة الجنين ثم ، لما انفصل سلط الحب والشفقة على الأم لتتكفل به شاءت أم أبت اضطرارا من الله تعالى إليه بما أشعل في قلبها من نار الحب ، ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الذي لا يحتاج إلى المضغ ولأنه لرخاوة مزاجه كان لا يحتمل الغذاء الكثيف فأدر له اللبن اللطيف في ثدي الأم عند انفصاله على حسب حاجته أفكان ، هذا بحيلة الطفل ، أو بحيلة الأم إذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له أسنانا قواطع وطواحين ؛ لأجل المضغ فإذا كبر واستقل يسر له أسباب التعلم ، وسلوك سبيل الآخرة ، فجبنه ، بعد البلوغ جهل محض لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه ، بل زادت فإنه لم يكن قادرا على الاكتساب ، فالآن قد قدر فزادت قدرته ، نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا ، وهي الأم أو الأب وكانت شفقته مفرطة جدا ، فكان يطعمه ويسقيه في اليوم مرتين ، وكان إطعامه بتسليط الله تعالى الحب والشفقة على قلبه فكذلك قد سلط الله الشفقة والمودة والرحمة والرقة على قلوب المسلمين ، بل أهل البلد كافة حتى إن كل واحد منهم إذا أحس بمحتاج تألم قلبه ورق عليه ، وانبعثت له داعية إلى إزالة حاجته فقد كان المشفق عليه واحدا والآن المشفق عليه ألف وزيادة وقد ، كانوا لا يشفقون عليه ؛ لأنهم رأوه في كفالة الأم والأب ، وهو مشفق خاص فما رأوه محتاجا ، ولو رأوه يتيما لسلط الله داعية الرحمة على واحد من المسلمين ، أو على جماعة حتى يأخذونه ، ويكفلونه فما رئي إلى الآن في سني الخصب يتيم قد مات جوعا مع أنه عاجز عن الاضطراب ، وليس له كافل خاص ، والله تعالى كافله بواسطة الشفقة التي خلقها في قلوب عباده فلماذا ينبغي أن يشتغل قلبه برزقه بعد البلوغ ولم يشتغل في الصبا وقد كان المشفق واحدا ، والمشفق الآن ألف ، نعم كانت شفقة الأم أقوى ، وأحظى ، ولكنها واحدة ، وشفقة آحاد الناس وإن ضعفت فيخرج من مجموعها ما يفيد الغرض ، فكم من يتيم قد يسر الله تعالى له حالا هو أحسن من حال من له أب وأم ، فينجبر ضعف شفقة الآحاد بكثرة المشفقين ، وبترك التنعم والاقتصار على قدر الضرورة ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:


جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون     جنون منك أن تسعى لرزق
ويرزق في غشاوته الجنين

.

التالي السابق


(ومن نظر في ملكوت السماوات والأرض انكشف له تحقيقا أن الله تعالى دبر الملك والملكوت) بلطيف حكمته، وجميل قدرته (تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه وإن ترك الاضطراب، فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه، أما ترى الجنين في بطن أمه لما كان عاجزا عن الاضطراب) كيف تولاه المولى بتدبيره في سائر أطواره، وقام له في كل ذلك بوجوه إبراره، فجعله في نطفة مستودعة في الأصلاب، ثم قذفها في رحم الأم، ثم جمع بين النطفتين، وألف بينهما، ثم جعلها بعد النطفة علقة مهيأة لما يريد سبحانه أن ينقلها إليه، ثم بعد العلقة مضغة، ثم فتقها صورة، وأقام بنيتها، ثم نفخ فيها الروح (كيف وصل سرته بالأم حتى انتهى إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرة، ولم يكن ذلك بحيلة الجنين، فأجرى عليه رزقه قبل أن يخرجه إلى الوجود) وبقاه في رحم الأم حتى قويت أعضاؤه، واشتدت أركانه إلى البروز إلى ما قسم له، أو عليه وليبرزه إلى دار يتعرف فيها بفضله وعدله إليه (ثم لما انفصل) نازلا إلى الأرض (سلط الحب والشفقة على الأم للتكفيل به شاءت أم أبت اضطرارا من الله تعالى) إليه (بما اشتغل في قلبها نار الحب، ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام) ولا رحى يستعين بها على الطحن (جعل رزقه من اللبن الذي لا يحتاج) فيه (إلى المضغ) والطحن، (ولأنه لرخاوة مزاجه كان لا يحتمل الغذاء الكثيف) ، ولا يستطيع تناول خشونات المطاعم (فأدر له اللبن اللطيف في ثدي الأم عند انفصاله بحسب حاجته، فكان هذا بحيلة الطفل، أو بحيلة الأم) ووكل بالثدي مستحث الرحمة في قلب الأم، كلما وقف اللبن عن البروز استحثته الرحمة التي جعلها في الأم مستحثا لا يفتر، ومستنهضا لا يقصر، فكان هذا بحيلة الطفل أم بحيلة الأم، (فإذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له أسنانا قواطع) وأرحى (وطواحين؛ لأجل المضغ) والطحن على ما سبق بيانه في كتاب الشكر، ثم إنه شغل الأب والأم بتحصيل مصالحه، والرأفة عليه، والنظر بعين المودة منهما إليه، وما هي إلا رأفة ساقها للعباد في مظاهر الآباء والأمهات تعريفا بالوداد، وفي حقيقة الأمر ما كلفه إلا ربوبيته، وما حضنته إلا إلهيته، ثم ألزم الأب القيام فيه إلى حين البلوغ، وأوجب عليه ذلك رأفة منه به، (فإذا كبر واشتغل يسر له أسباب التعلم، وسلوك سبيل الآخرة، فجبنه بعد البلوغ جهل محض [ ص: 494 ] لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه، بل زادت فإنه) من قبل (لم يكن قابلا على الاكتساب، فالآن قدر فزادت قدرته، نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا، وهي الأم أو الأب وكانت شفقته مفرطة جدا، فكان يطعمه ويسقيه في اليوم مرة ومرتين، وكان إطعامه بتسليط الله تعالى الحب والشفقة على قلبه) ، وما هي إلا رأفته سبحانه (فكذلك قد سلط الله تعالى الشفقة والمودة والرأفة والرحمة على قلوب المسلمين، بل أهل البلد كافة) من مؤمن وكافر (حتى إن كل واحد منهم إذا أحس بمحتاج تألم قلبه ورق عليه، وانبعثت له داعية إلى إزالة حاجته) وتيسير طلبته (فقد كان المشفق عليه واحدا والآن المشفق عليه ألف وزيادة، ولقد كانوا) من قبل (لا يشفقون عليه؛ لأنهم رأوه في كفالة الأم والأب، وهو مشفق خاص فما رأوه محتاجا، ولو رأوه يتيما) لا أم له (لسلط الله داعية الرحمة) ومستحث الشفقة (على واحد من المسلمين، أو على جماعة حتى يأخذونه، ويكفلونه فما رئي إلى الآن في سني الخصب) وأعوام الرخاء (يتيم قد مات جوعا مع أنه عاجز عن الاضطراب، وليس له كفيل خاص، والله تعالى كافل بواسطة الشفقة التي خلقها في قلوب عباده) وبثها فيها، وفي ذلك ما يلزمه الاستسلام إليه تعالى، والتوكل عليه (فلماذا ينبغي أن يشتغل قلبه برزقه بعد البلوغ) ، أو يتحايل على التدبير، أو ينازع المقادير (ولم يشتغل في الصبا) وقبل الصبا، (وقد كان المشفق واحدا، والمشفق الآن ألفا، نعم كانت شفقة الأم أقوى، وأحظى، ولكنها واحدة، وشفقة آحاد الناس وإن ضعفت) قوتها بالإضافة إلى شفقة الوالدين (فيخرج من مجموعهما ما يفيد الغرض، فكم من يتيم قد يسر الله له حالا هو أحسن من حال من له أب وأم، فينجبر ضعف شفقته الآحاد بكثرة المشفقين، وبترك التنعم) ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين كما في حديث فضالة (والاقتصار على قدر الضرورة ولقد أحسن الشاعر) ، وهو ابن الرومي (حيث يقول) :


جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق
ويرزق في غشاوته الجنين

قوله: سيان بالكسر، وتشديد التحتية أي مستويان، والغشاوة اسم الجلد الذي يكون على الجنين، وهي المشيمة، وقد وجد البيتان هكذا بخط النووي في هامش كتابه مختصر علوم الحديث، وقد كتب علي بن العز الحنفي بخطه على قوله بما يكون مسلم وعلى قوله: والسكون لا نسلم، وعلى قوله: لرزق لا نسلم، وعلى قوله: والجنين مسلم، ثم عارض ذلك بأبيات، وهي هذه:


ينال الرزق في وقت السعي وفي وقت بلا سعي يكون
وكسب الرزق نوع منه فرض فلا تجنح إلى كسل يشين
بمشي في مناكبها أمرنا وفي تغدو خماصا تستبين
جرى قلم القضاء بكل هذا وفي كل ميسر اليقين
ومن إياك نعبد خذ دليلا وقل إياك أيضا نستعين
ومن قاس القوي على الضعيف كمن قاس الصديق بمن يمين
فسل من ربك التوفيق واحرص على ما فيه نفعك مستبين
وكن متوكلا مع فعل ما قد أمرت به وذا دنيا ودين






الخدمات العلمية