الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والزهد في الدنيا لما أن كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصده عنه .

ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه ، فينقادان لباعث الدين وإشارة الإيمان وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرا وباستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لفرجه وبطنه وسائر أغراضه فيكون مسخرا مثل البهيمة مملوكا يستجره زمام الشهوة آخذا بمختنقه : إلى حيث يريد ويهوى ، فما أعظم اغترار الإنسان إذ ظن أنه ينال الملك بأنه يصير مملوكا ، وينال الربوبية بأن يصير عبدا ، ومثل هذا هل يكون إلا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة ولهذا قال بعض الملوك لبعض الزهاد : هل من حاجة قال : كيف أطلب منك حاجة ، وملكي أعظم من ملكك فقال ! : كيف ؟ قال : من أنت عبده فهو عبد لي ، فقال : كيف ذلك ؟ قال : أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك ، وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيد لي . فهذا إذا هو الملك في الدنيا ، وهو الذي يسوق إلى الملك في الآخرة ، فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا والآخرة جميعا ، والذين وفقوا للاشتداد على الصراط المستقيم فازوا بالدنيا والآخرة جميعا .

فإذا عرفت الآن معنى الملك والربوبية ، ومعنى التسخير والعبودية ، ومدخل الغلط في ذلك وكيفية ، تعمية الشيطان وتلبيسه يسهل عليك النزوع عن الملك والجاه والإعراض عنه ، والصبر عند فواته إذ تصير بتركه ملكا في الحال ، وترجو به ملكا في الآخرة .

ومن كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه وأنس به ورسخت فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرد العلم والكشف ، بل لا بد وأن يضيف إليه العمل ، وعمله في ثلاثة أمور : أحدها أن يهرب عن موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب ، كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور المحركة ، ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة الله في سعة الأرض ، إذ قال تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها . الثاني : أن يكلف نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده ، فيبدل التكلف بالتبذل وزي الحشمة بزي التواضع ، وكذلك كل هيئة وحال وفعل في مسكن وملبس ومطعم وقيام وقعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه ، فينبغي أن يبدلها بنقائضها حتى يرسخ باعتياد ذلك ضد ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضده ، فلا معنى للمعالجة إلا المضادة . الثالث : أن يراعى في ذلك التلطف والتدريج ، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذل فإن الطبع نفور ، ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج ، فيترك البعض ويسلي نفسه بالبعض ، ثم إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض إلى أن يقنع بالبقية ، وهكذا يفعل شيئا فشيئا إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه ، وإلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الدين متين : فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : لا تشادوا هذا الدين ، فإن من يشاده يغلبه .

فإذا ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس ، وعن الشهوة ، وعن الجاه ، أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات فاتخذه ، دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام التي فصلناها من قبل ، فإن تفصيل الآحاد يطول ، ومن راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشق عليه الصبر دون ، كما كان يشق عليه معه ، فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا ، وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه ، وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق وله نظير في العادات ، فإن الصبي يحمل على التعلم في الابتداء قهرا فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته ، وأنس بالعلم ، انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم والصبر على اللعب ، وإلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنه سأل الشبلي عن الصبر أيه أشد ؟ فقال الصبر في الله تعالى فقال : لا فقال : الصبر لله فقال : لا فقال ، الصبر مع الله فقال : لا فقال فأيش ، قال : الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف وقد قيل في معنى قوله تعالى : اصبروا وصابروا ورابطوا ، اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله .

التالي السابق


(والزهد في الدنيا لما أن كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصده عنه) أي: منعه، (ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه، فينقادان لباعث الدين ولإشارة الإيمان) فلا يخالفان مقتضاهما، (وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرا) كاملا، (وباستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لفرجه وبطنه وسائر أغراضه) ومهماته، (فيكون مسخرا مثل البهيمة مملوكا يستجره زمام الشهوة آخذا بمختنقه) أي: حلقومه (إلى حيث يريد ويهوى، فما أعظم اغترار الإنسان إذ ظن أنه ينال الملك بأن يصير مملوكا، وينال الربوبية بأن يصير عبدا، ومثل هذا هل يكون إلا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة) مكبا على وجهه، (ولهذا قال بعض الملوك لبعض الزهاد: هل من حاجة) لك إلينا؟ (قال: كيف أطلب منك حاجة، وملكي أعظم من ملكك! قال: كيف ذلك؟ قال: من أنت عبده فهو عبدي، فقال: كيف ذلك؟ قال: أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك، وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيدي .

فهذا إذا هو الملك في الدنيا، وهو الذي يسوق إلى الملك في الآخرة، فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا والآخرة جميعا، والذين وفقوا للاشتداد على الصراط المستقيم) فلم يفرطوا، ولم يفرطوا، (فازوا بالدنيا والآخرة جميعا، فإذا عرفت الآن معنى الملك والربوبية، ومعنى التسخر والعبودية، ومدخل الغلط) والاشتباه (في ذلك، وكيف تعمية الشيطان وتلبيسه) وخدعه ومكره، (فيسهل عليك النزوع من الملك والجاه والإعراض عنهما، والصبر عند فواته إذ تصبر بتركه ملكا في الحال، وترجو به ملكا في الآخرة، ومن كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه وأنس به ورسخ فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرد العلم والكشف، بل لا بد وأن يضيف إليه العمل، وعمله في ثلاثة أمور: أحدها أن يهرب عن موضع [ ص: 41 ] الجاه حتى لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب، كما يهرب من غلبته الشهوة عن مشاهدة الصور) الحسان (المحركة للشهوة، ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة الله في سعة الأرض، إذ قال الله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها .

الثاني: أن يكلف نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده، فيبدل التكلف بالتبذل) وهو خلاف التصون، (وزي الحشمة بزي التواضع، وكذلك على هيئة وحال وفعل في مسكن وملبس ومطعم وقيام وقعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه، فينبغي أن يبدلها بما يناقضها) وفي نسخة: بنقائضها (حتى يترسخ باعتياد ذلك ضد ما قد رسخ فيه من قبل باعتياد ضده، فلا معنى للمعالجة إلا المضادة .

الثالث: أن يراعي في ذلك التلطف والتدريج، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذل) وترك التكلف، (فإن الطبع نفور، ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج، فيترك البعض ويسلي نفسه بالبعض، ثم إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض إلى أن يقنع بالبقية، وهكذا يفعل شيئا بشيء إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه، وإلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين متين) أي: صلب شديد، (فأوغل فيه برفق) أي: سر فيه من غير تحمل ما لا تطيق، والإيغال السير الشديد، والوغول الدخول في الشيء، (ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله تعالى، فإن المنبت) وهو من انقطع به في السفر وعطبت راحلته (لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى) أي: فلا هو قطع الأرض التي قصدها، ولا هو أبقى ظهره ينتفع به. رواه أحمد والبزار والبيهقي والعسكري في الأمثال من حديث جابر وضعف وقد روي مختصرا من حديث أنس : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق. رواه هكذا أحمد والضياء ويروى: إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباده، فإن المنبت لا يقطع سفرا، ولا يستبقي ظهرا. رواه البيهقي من حديث عائشة ، ويروى أيضا مثل سياق المصنف إلا أنه قال بعد قوله برفق: ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا سفرا قطع، ولا ظهرا أبقى، فاعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت أبدا، واحذر حذر من يخشى أن يموت غدا، وفي لفظ: يظن أنه لن يموت إلا هرما رواه البيهقي والعسكري من حديث ابن عمر ، وقال البيهقي : روي هذا الحديث من طرق موصولا ومرسلا ومرفوعا وموقوفا، وفيه اضطراب، ورجح البخاري في التاريخ إرساله، وقد تقدم في كتاب ترتيب الأوراد .

(وبقوله صلى الله عليه وسلم: لا تشادوا هذا الدين، فإن من يشاده يغلبه) رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وقد تقدم أيضا في كتاب ترتيب الأوراد .

(فإذا ما ذكرناه في علاج الصبر عن الوسواس، وعن الشهوة، وعن الجاه، أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات، واتخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام التي فصلناها من قبل، فإن تفصيل الآحاد يطول، ومن راعى التدريج) والتلطف (يرقى به الصبر إلى حالة لا يشق عليه الصبر دونه، كما كان يشق عليه الصبر معه، فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا، وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه، وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق) الصحيح (وله نظير في العادات، فإن الصبي يحمل على التعلم في الابتداء قهرا) عليه (فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته، وأنس بالعلم، انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم والصبر على اللعب، وإلى هذا يشير ما حكي عن بعض [ ص: 42 ] العارفين أنه سأل) أبا بكر الشبلي، قدس سره، في (الصبر أيه أشد؟ فقال الصبر في الله) وهو الصبر على تغيير الأخلاق المذمومة، والاتصاف بالمحمودة، والاشتغال بأنواع الطاعات (فقال: لا، قال: الصبر لله) تعالى وهو الصبر على ما يرد على القلب من الله تعالى، وهو متأدب في حمل ما يرد منه، راض بذلك (قال: لا، الصبر مع الله) وهو الصبر على ذلك مع التبري من الحول والقوة (قال: لا، قال: فإيش؟) أي: أي شيء هو؟ قال: (الصبر عن الله) ، وهو أن يبعد الله العبد عنه بعد تقريبه إليه فيلازم الباب ويتمرغ في التراب، (فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه) أن (تتلف) لأن قلبه لم يعد يحمل البعد ولا سماع ذكره، فهذا الصبر مذموم. وهذا قد أورده القشيري في الرسالة سماعا عن محمد بن الحسين، قال: سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: وقف رجل على الشبلي فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فذكره .

وقال بعضهم: الصبر لله ما كان في أول العبادات، والصبر مع الله ما كان في أثنائها، والصبر بالله بعد الفراغ منها. (وقد قيل في معنى قوله تعالى: اصبروا وصابروا ورابطوا، أي اصبروا في الله) تعالى، أي: في طاعته، (وصابروا بالله) تعالى أي: بعونه، (ورابطوا مع الله) تعالى، أي: بالأدب معه ودوام تعظيمه، نقله القشيري.

وقيل: الصبر دون المصابرة، والمصابرة دون المرابطة. وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله. وقيل: حالك التي أنت فيها رباطك، وما دون الله تعالى أعداؤك، فأحسن المرابطة في رباط حالك. وقيل: المصابرة هي الصبر على الصبر حتى يستغرق الصبر في الصبر فيعجز الصبر عن الصبر كما قيل:


صابر الصبر فاستغاث به الصبر فصاح المحب بالصبر صبرا

كل ذلك نقله القشيري.




الخدمات العلمية