الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
والرابع : اندفاع العوائق المشوشة : والآلام الشاغلة للقلب ، فليس التذاذ الصحيح الفارغ المتجرد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور ، أو المريض المتألم ، أو المشغول قلبه بمهم من المهمات .

فقدر عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب وزنابير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة معشوقه ، فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك بها الستر وأشرق بها الضوء واندفع عنه المؤذيات وبقي سليما فارغا وهجمت عليه الشهوة القوية والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات ، فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتد بها ، فكذلك فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة .

فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال الشهوات المتسلطة على الإنسان من الجوع والعطش والغضب والغم والحزن وضعف الشهوة والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى والتفاتها إلى أسفل السافلين ، وهو مثل قصور الصبي عن ملاحظة لذة الرياسة والتفاته إلى اللعب بالعصفور ، والعارف وإن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو عن هذه المشوشات ولا يتصور أن يخلو عنها البتة .

نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم ، فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يبهت العقل وتعظم لذته بحيث يكاد القلب يتفطر لعظمته ، ولكن يكون ذلك .

كالبرق الخاطف وقلما يدوم ، بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينغصه وهذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية ، فلا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت ، وإنما الحياة الطيبة بعد الموت وإنما العيش عيش الآخرة وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون وكل من انتهى إلى هذه الرتبة فإنه يحب لقاء الله تعالى فيحب الموت ولا يكرهه إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة ؛ فإن المعرفة كالبذر ، وبحر المعرفة لا ساحل له ، فالإحاطة بكنه جلال الله محال فكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وأفعاله وبأسرار مملكته وقويت كثر النعيم في الآخرة وعظم ، كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن ، ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا ولا يزرع إلا في صعيد القلب ولا حصاد إلا في الآخرة .

ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والمواظبة على المجاهدة والانقطاع عن علائق الدنيا والتجرد للطلب ، ويستدعي ذلك زمانا لا محالة ؛ فمن أحب الموت أحبه ؛ لأنه رأى نفسه واقفا في المعرفة بالغا إلى منتهى ما يسر له ، ومن كره الموت كرهه ؛ لأنه كان يؤمل مزيد معرفة تحصل له بطول العمر ، ورأى نفسه مقصرا عما تحتمله قوته لو عمر ، فهذا سبب كراهة الموت وحبه عند أهل المعرفة .

وأما سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدنيا إن اتسعت أحبوا البقاء وإن ضاقت تمنوا الموت .

وكل ذلك حرمان وخسران مصدره الجهل والغفلة .

فالجهل والغفلة مغرس كل شقاوة .

والعلم والمعرفة أساس كل سعادة ، فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبة ومعنى العشق فإنه المحبة المفرطة القوية ، ومعنى لذة المعرفة ومعنى الرؤية ومعنى لذة الرؤية ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند ذوي العقول والكمال وإن لم تكن كذلك عند ذوي النقصان ، كما لم تكن الرياسة ألذ من المطعومات عند الصبيان .

فإن قلت : فهذه الرؤيا محلها القلب أو العين في الآخرة ، فاعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك ، وأرباب البصائر لا يلتفتون إلى هذا الخلاف ولا ينظرون فيه ، بل العاقل يأكل البقل ولا يسأل عن المبقلة ومن يشتهي رؤية معشوقه يشغله عشقه عن أن يلتفت إلى أن رؤيته تخلق في عينه ، أو جبهته ، بل يقصد الرؤيا ولذتها سواء كان ذلك بالعين أو غيرها ، فإن العين محل وظرف لا نظر إليه ولا حكم له ، والحق فيه أن القدرة الأزلية واسعة ، فلا يجوز أن نحكم عليها بالقصور عن أحد الأمرين ، هذا في حكم الجواز ، فأما الواقع في الآخرة من الجائزين فلا يدرك إلا بالسمع والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره ؛ إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


(والرابع: اندفاع العوائق المشوشة) أي: المواقع المكدرة (والآلام الشاغلة للقلب، فليس التذاذ الصحيح) البدن (الفارغ) البال (المتجرد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور، أو المريض المتألم، أو المشغول قلبه بمهم من المهمات، فقدر) أنت نفسك (عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عقارب وزنابير تؤذيه وتلدغه وتشعل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما [ ص: 584 ] من مشاهدة معشوقه، فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك بها الستر وأشرق بها ضوء واندفع عنه المؤذيات وبقي سليما فارغا وهجمت عليه الشهوة القوية والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات، فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتد بها، فكذلك فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة، فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال الشهوات) الخفية المشوشة من داخل (المتسلطة على الإنسان من الجوع والعطش والغضب والغم والحزن) وأشباه ذلك، (والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى والتفاتها إلى أسفل السافلين، وهو مثل قصور الصبي عن ملاحظة لذة الرياسة والتفاته إلى اللعب بالعصفور، والعارف وإن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو من هذه المشوشات ولا يتصور أن يخلو عنها البتة؛ نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم، فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يبهت العقل وتعظيم لذته بحيث يكاد القلب ينفطر لعظمته، ولكن يكون ذلك كالبرق الخاطف وقلما يدوم، بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينغصه) ويكدر عليه، (وهذه ضرورة دائمة) لا تنفك (في هذه الحياة الفانية، فلا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت، وإنما الحياة الطيبة بعد الموت) فعند ذلك يحصل التجريد والراحة، (وإنما العيش عيش الآخرة) ، كما ورد به الخبر، (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) ، كما في الكتاب العزيز .

(وكل من انتهى إلى هذه المرتبة فإنه يحب لقاء الله تعالى فيحب الموت ولا يكرهه) ، وفي الخبر: لا راحة للمؤمن في الدنيا دون لقاء الله -عز وجل-، وفي أقوالهم: الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب (إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة؛ فإن المعرفة كالبذر، وبحر المعرفة لا ساحل له، فالإحاطة بكنه جلال الله محال) إلا ما كان من طريق الأسماء والصفات، (فكلما كثرت المعرفة بالله وصفاته وأفعاله وبأسرار مملكته وقويت كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن، ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا) ؛ إذ هي مزرعة للآخرة، (ولا يزرع إلا في الصعيد القلب ولا حصاد إلا في الآخرة؛ ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله) .

قال العراقي: رواه إبراهيم الحربي في كتاب ذكر الموت من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد عن المطلب عبد الله بن حنطب، مختلف في صحبته، ولأحمد من حديث جابر أن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة، وللترمذي من حديث أبي بكرة أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله، قال: هذا حسن صحيح وذكره ابن حبان في الصحابة وقال ابن عمر: له صحبة، وقال الترمذي بعد أن ساق له حديثا من طريق عبد العزيز بن المطلب بن حنطب، عن أبيه عن جده في فضائل قريش: هذا مرسل، وعبد الله بن حنطب لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا اختلافهم فيه، وحديثه المذكور رواه كذلك القضاعي والحاكم والديلمي من حديث ابن عمر، وأما حديث جابر فقد رواه أيضا الحاكم، ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب بدون أن، وأما حديث أبي بكرة فرواه كذلك أحمد وابن زنجويه والطبراني والحاكم والبيهقي بزيادة: وشر الناس من طال عمره وساء عمله، ورواه بالجملة الأولى فقط أحمد وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي أيضا من حديث عبد الله بن يسر؛ (لأن المعرفة إنما تكمل وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والمواظبة على المجاهدة والانقطاع من علائق الدنيا والتجرد للطلب، ويستدعي ذلك أمانا لا محالة؛ فمن أحب الموت أحبه؛ لأنه رأى [ ص: 585 ] نفسه واقفا في المعرفة بالغا إلى منتهى ما ييسر له، ومن كره الموت كرهه؛ لأنه كان يؤمل مزيد معرفة تحصل له بطول العمر، ورأى نفسه مقصرا عما تحتمله قوته لو عمر، فهذا سبب كراهته الموت وحبه عند أهل المعرفة، وأما سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدنيا) ولذاتها (إن اتسعت أحبوا البقاء وإن ضاقت تمنوا الموت، وكل ذلك حرمان وخسران مصدره الجهل والغفلة، فالجهل والغفلة مصدر كل شقاوة والعلم والمعرفة أساس كل سعادة، فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبة ومعنى العشق فإنه المحبة المفرطة القوية، ومعنى لذة المعرفة ومعنى الرؤية ومعنى لذة الرؤية ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند ذوي العقول والكمال وإن لم تكن كذلك عند ذوي النقصان، كما لم تكن الرياسة ألذ من المطعومات) واللعب (عند الصبيان) ، فإن أنكروا فبعذرهم لنقائهم عن درجة الكمال، (فإن قلت: فهذه الرؤية محلها القلب أو العين في الآخرة، فاعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك، وأرباب البصائر لا يلتفتون إلى هذا الخلاف ولا ينظرون فيه، بل العاقل يأكل البقل ولا يسأل عن المبقلة) ويأخذ الهدية ولا يسأل عن الجالب، (ومن يشتهي رؤية معشوقه يشغله عشقه عن أن يلتفت إلى أن رؤيته تخلق في عينه، أو في جبهته، بل يقصد الرؤية ولذتها سواء كان ذلك بالعين أو غيرها، فإن العين محل وظرف لا نظر إليه ولا حكم له، والحق فيه أن القدرة الأزلية واسعة، فلا يجوز أن يحكم عليها بالقصور عن أحد الأمرين، هذا في حكم الجواز، فأما الواقع في الآخرة من الجائزات فلا يدرك إلا بالسمع) ؛ إذ لا مدخل للعقل فيه، (والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجريا على ظاهره؛ إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة، والله أعلم) .

فروى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة أن الناس قالوا: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: هل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ وهل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ فإنكم ترونه كذلك. الحديث بطوله، ورواه كذلك من حديث أبي سعيد، وروى الطيالسي وأحمد والشيخان وابن خزيمة من حديث أبي سعيد: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما .. الحديث بطوله .

وروى النسائي وابن ماجه بعضه، وعند مسلم من حديث أبي هريرة: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم -عز وجل- إلا كما تضارون في رؤية أحدهما .. الحديث.




الخدمات العلمية