الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الثالث : أن يكون غرضه السمعة والرياء والشهرة ، فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد ولا يقبله إذ يكون معينا له على غرضه الفاسد .

وكان سفيان الثوري يرد ما يعطى ويقول : لو علمت أنهم لا يذكرون ذلك افتخارا به لأخذت ، وعوتب بعضهم في رد ما كان يأتيه من صلة فقال : إنما أرد صلتهم إشفاقا عليهم ونصحا لهم لأنهم يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم .

وأما غرضه في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بد منه أو هو مستغن عنه ، فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في المعطي فالأفضل له الأخذ قال النبي : صلى الله عليه وسلم ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا وقال صلى الله عليه وسلم : من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه ، وفي لفظ آخر : فلا يرده .

وقال بعض العلماء : من أعطي ولم يأخذ سأل ولم يعط .

وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد بن حنبل رحمة الله عليهما شيئا فرده مرة فقال له السري : يا أحمد ، احذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ ، فقال له أحمد : أعد علي ما قلت ، فأعاده فقال أحمد : ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر فاحبسه ، لي عندك فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلي وقد قال بعض العلماء يخاف في الرد مع الحاجة عقوبة من ابتلاء بطمع أو دخول في شبهة أو غيره فأما إذا كان ما أتاه زائدا على حاجته فلا يخلو إما أن يكون حاله الاشتغال بنفسه أو التكفل بأمور الفقراء والإنفاق عليهم لما في طبعه من الرفق والسخاء فإن كان مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه وإمساكه إن كان طالبا طريق الآخرة ، فإن ذلك محض اتباع الهوى وكل عمل ليس لله فهو سبيل الشيطان أو داع إليه ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ثم له مقامان أحدهما : أن يأخذ في العلانية ويرد في السر أو يأخذ في العلانية ويفرق في السر ، وهذا مقام الصديقين وهو شاق على النفس لا يطيقه إلا من اطمأنت نفسه بالرياضة والثاني : أن يترك ولا يأخذ ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج منه أو يأخذ ويوصل إلى من هو أحوج منه فيفعل كليهما في السر أو كليهما في العلانية .

التالي السابق


(الثالث: أن يكون غرضه السمعة والرياء والشهرة، فينبغي أن يرد عليه قصده) ولا يعان فيه (ولا يقبله) منه (إذ يكون) في قبوله منه (معينا على غرضه الفاسد (وهو حرام (وكان سفيان الثوري) - رحمه الله تعالى - (يرد ما يعطى ويقول: لو علمت أنهم لا يذكرون ذلك افتخارا به) بين الناس (لأخذت، وعوتب بعضهم في رد ما كان يأتيه من صلة) أصدقائه (فقال: إنما أرد صلتهم إشفاقا عليهم ونصحا لهم لأنهم يذكرون ذلك) بين الناس (ويحبون أن يعلم بهم) ليذكروا به (فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم) لفساد نياتهم (وأما غرضه) أي: الفقير (في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بد منه أو هو مستغن عنه، فإن كان محتاجا وسلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في المعطي) ومن استشراف النفس [ ص: 299 ] (فالأفضل له الأخذ) فإن رد ذلك عوقب باستشراف نفس أو طمع أو أخذ شبهة .

(قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا إليه) رواه الطبراني من حديث بن عمر، وقد تقدم في كتاب الزكاة وفي لفظ: ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجرا من الذي يقبل من حاجة، رواه صاحب الحلية من حديث أنس (وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه، وفي لفظ آخر: فلا يرده) ، قال العراقي: روى أحمد وأبو يعلى والطبراني بإسناد جيد من حديث خالد بن عدي الجهني: من بلغه معروف من أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله - عز وجل - إليه، ولأحمد وأبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة: من آتاه الله من هذا المال شيئا من غير أن يسأله فليقبله، الحديث في الصحيحين من حديث عمر: ما أتاك من المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. الحديث. انتهى .

قلت: حديث خالد بن عدي الجهني، ورواه ابن أبي شيبة وابن سعد وابن حبان والبغوي والباوردي والحكيم وأبو نعيم والبيهقي والضياء بلفظ: ما جاء عن أخيه معروف. والباقي سواء، قال البغوي: لا أعلم له غيره .

ويروى من حديث زيد بن خالد الجهني نحوه، رواه كذلك ابن حبان والحاكم، وحديث أبي هريرة تمامه بعد قوله: فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله، وتمام حديث عمر: فخذه، وتموله: وما لا فلا تتبعه نفسك. وقد رواه كذلك النسائي، ورواه أحمد والطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه، ثم أشار المصنف إلى آفات الرد وعقوباته فقال:

(وقال بعض العلماء: من أعطي ولم يأخذ سأل ولم يعط، وقد كان سري السقطي) - رحمه الله تعالى - (يوصل إلى) الإمام (أحمد ابن حنبل) - رحمه الله تعالى - (شيئا) من باب الهدية (فرده مرة) ولم يأخذه (فقال له السري: يا أحمد، احذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ، فقال له أحمد: أعد علي ما قلت، فأعاده) ما قال (فقال أحمد: ما رددت عليك إلا) أنه (عندي قوت شهر، فاحبسه لي عندك فإذا كان بعد شهر فأنفذه لي) فأنا أقبله، نقله صاحب القوت، وهذا يدل على جواز الرد إذا كان لغير حاجة .

(وقد قال بعض العلماء يخاف في الرد مع الحاجة) إليه (عقوبة من ابتلاء بطمع أو دخول في شبهة أو غيره) من العقوبات (فأما إذا كان ما أتاه زائدا على) قدر (حاجته فلا يخلو إما أن يكون حالة الاشتغال بنفسه أو التكفل بأمور الفقراء والقيام) بمهماتهم (والإنفاق عليهم لما) جبل (في طبعه من الرفق والسخاء فإن كان مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه لإمساكه) عنده (إن كان طالبا طريق الآخرة، فإن ذلك محض اتباع الهوى) وإنما هو ابتلاء واختبار من الله تعالى، (وكل عمل ليس لله فهو في سبيل الشيطان أو داع إليه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع في الحمى) وهو لا يشعر. وقد ورد ذلك في الخبر وتقدم .

هذا وجه الأولوية في عدم أخذه (ثم) إن جوزنا (له) الأخذ فله في الإخفاء والإظهار والأخذ والرد (مقامات) وأحوال: (أحدها: أن يأخذ في العلانية ويرد في السر) بحيث لا يطلع عليه أحد، (أو يأخذ في العلانية ويفرق في السر، وهذا مقام الصديقين) من الزاهدين ويسمونه الزهد في الزهد; لأنه ينشأ عن الزهد في المال والجاه، وفي إظهار الأخذ آفة عظيمة فليأخذ حذره منها وهي إحثاث المعطي وغيره على العطاء (وهو شاق على النفس لا يطيقه إلا من اطمأنت نفسه بالرياضة) والتهذيب .

وهذا الذي ذكره المصنف مقام للصديقين أشبه أن يكون حالا لهم، ولكن قد يكون الحال مقاما وبالعكس كما تقدم. (والثاني: أن يترك) رأسا (ولا يأخذ ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج منه أو يأخذ ويوصل إلى من هو أحوج منه فيفعل كليهما في السر أو كليهما في العلانية) تركه علانية وعدم تولي صرفه بنفسه، وتركه سرا، كذلك أو أخذه علانية وتولى صرفه بنفسه وأخذه سرا وتولى صرفه بنفسه، فهي أربع مقامات، فإذا أضيفت إلى المقامين الأولين صارت ستة والأخذ في العلانية والإخراج فيها أيضا هو مقام المقربين لأنهم يشهدون [ ص: 300 ] مع الله غير الله; لأن كل ما سوى الله من الله وبالله ولله فلا غير حينئذ; لأن الغير هو المضاهي الظاهر لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ومن شاهد الوجود على ما وصفنا انتفت عنه الآفات الداخلة على غيره من العمال، وهذا لا يخفى في الأخذ والعطاء تخوفا على نفسه لا لأجل المعطي والآخذ; لأن من المتصدقين من يقصد إظهار الصدقة ونشرها، فلا يعان على قصده، ومن المتصدق عليهم من يشتهي ستر حاله فيعان عليه; لأن ستر حال المؤمن واجب، وأما الأخذ في السر فهو مقام الصالحين من الزاهدين إذا سلم من آفاته .

ومن آفاته خوف الجاه وإسقاط المنزلة من القلوب والنظر إليه بعين الرغبة والحسد في أن يرى المعطي بعين الإحسان، وأما الأخذ في السر والإخراج في العلانية فإن سلم من الآفات التي ذكرت في الإخفاء ومن آفة الرياء في الإخراج فهو على خير، والسلامة في مثل هذه الحالة بعيدة، وأما من يأخذ سرا ولا يخرج سرا ولا علانية فهذا الذي يأكل الدنيا بالدين، نسأل الله أن يعيذنا من شره، فإنه إذا مات فضح أهل الطريق .




الخدمات العلمية