الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ومنها ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل ، فيعرض على النار عرضا يقمع منه الخبث الذي هو متدنس به ويكون العرض على النار بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها في حق المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة ولن ترتحل نفس عن هذا العالم إلا ويصحبها غبرة وكدورة ما ، وإن قلت ؛ ولذلك قال الله تعالى : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا فكل نفس مستيقنة للورود على النار وغير مستيقنة للصدور عنها فإذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها وبلغ الكتاب أجله ووقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع من الحساب والعرض وغيره ووافى استحقاق الجنة ، وذلك وقت مبهم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه فإنه واقع بعد القيامة ، ووقت القيامة مجهول فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة لأن فيه يتجلى الحق سبحانه وتعالى فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلي المرآة بالإضافة إلى ما تخيله .

وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية فإذا ، الرؤية حق بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان ؛ فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علوا كبيرا بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك .

بل أقول : المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح ، كما ضربناه من المثال في استكمال الخيال بالرؤية .

فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهه فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة ؛ لأنها هي بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف ، كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف وإليه الإشارة بقوله تعالى : يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ؛ إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا ؛ لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة ، كما تنقلب النواة شجرة والحب زرعا ، ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل ؟! ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع ؟! فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة ؟! ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة ؛ فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر ؛ إذ تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها ؛ ولذلك قال النبي : صلى الله عليه وسلم : إن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر بل لا يجد إلا عشر عشيره إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشيره ، ولما فضل من الناس بسر وقر في صدره ، فضل لا محالة بتجل انفرد به وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح ، وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر الأمور الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمطعوم والمشروب جميعا ، فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة ؛ إذ يرجع نعيمها إلى المطعوم والمنكوح ، وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والاطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب ، وسائر الخلق مشغولون به .

ولذلك ، لما قيل لرابعة ما تقولين في الجنة فقال ؟ الجار ثم الدار .

فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة ، بل إلى رب الجنة .

وكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا يراه في الآخرة ، وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة ؛ إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد إلا ما زرع ، ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش عليه ، فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به ، كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته ، فإن ذلك منتهى لذته وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهي ؛ فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره ، بل ربما يتأذى به .

فإذا ، نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى ، وحب الله تعالى بقدر معرفته ، فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان .

فإن قلت : فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن كان أضعافها ؛ لأن لذة المعرفة في الدنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهي في القوة إلى أن يستحقر سائر لذات الجنة فيها ، فاعلم أن هذا الاستحقار للذة المعرفة صدر من الخلو عن المعرفة فمن خلا عن المعرفة كيف ، يدرك لذتها وإن انطوى على معرفة ضعيفة وقلبه مشحون بعلائق الدنيا ، فكيف يدرك لذتها ؟! فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم لله تعالى لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذة الجنة ، ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة ، كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته ولا للذة استنشاق روائح الأطعمة الشهية إلى ذوقها ولا للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع .

وإظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال ، فنقول : لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب أحدها كمال جمال المعشوق ونقصانه ؛ فإن اللذة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة .

والثاني كمال قوة الحب والشهوة والعشق ، فليس التذاذ من اشتد عشقه كالتذاذ ضعفت شهوته وحبه .

والثالث : كمال الإدراك ؛ فليس التذاذه برؤية المعشوق في ظلمة ، أو من وراء ستر رقيق ، أو من بعده كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر وعند كمال الضوء ، ولا إدراك لذة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرد .

التالي السابق


(ومنها ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل، فيعرض على النار عرضا يقمع عنه الخبث الذي هو متدنس به) ليصلح للمشاهدة، (ويكون العرض على النار بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة) ، وإليه الإشارة في حديث المرور على الصراط كالبرق الخاطف، (وأقصاه في حق المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف) .

قال العراقي: رواه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبي هريرة: إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي.. الحديث، وفيه: وأطولهم مكثا فيها مثل الدنيا من يوم خلقت إلى يوم القيامة، وذلك سبعة آلاف سنة. وإسناده ضعيف، وقد تقدم. ا.ه. قلت: وهو حديث طويل، وهذا لفظه: إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي، ثم ماتوا عليها، فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم ولا تزرق أعينهم، ولا يغلون بالأغلال ولا يقرنون مع الشيطان ولا يضربون بالمقامع، منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأطولهم مكثا فيها يمكث بمثل الدنيا من يوم خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة .. الحديث .

وفيه ذكر جماعة يخرجون من النار ويدخلون الجنة وهم عتقاء الله من النار إلا رجلا واحدا فإنه يمكث فيها بعدهم ألف سنة ثم ينادي: يا حنان يا منان، فيبعث الله إليه ملكا ليخرجه .. الحديث، وقد تقدم، (ولن ترتحل نفس عن هذا العالم إلا ويصحبها غبرة وكدورة ما، وإن قلت؛ ولذلك قال تعالى: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) والمراد بالورود العرض عليها لا الدخول فيها (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) أي جاثين على ركبهم، (فكل نفس مستيقنة للورود على النار وغير مستيقنة للصدور عنها) ، وقد روي ذلك عن الحسن، (فإذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها وبلغ الكتاب أجله) المضروب (ووقع الفراغ من جملة ما وعد به الشرع) ونطقت به الأخبار (من الحساب) ووزن الأعمال (والعرض وغيره ووافى استحقاق الجنة، وذلك الوقت مبهم) غير معلوم (لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه) ، بل استأثره بعلمه؛ (فإنه واقع بعد يوم القيامة، ووقت القيامة مجهول) كساعة الجمعة وليلة القدر وأضرابها (فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة) أي: دخنة؛ (لأن فيه يتجلى الحق سبحانه وتعالى فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلي المرآة بالإضافة إلى ما تخيله) أي: يدركه في خياله، (وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية، فإذا الرؤية حق) فمن كان من أهل هذه المشاهدة ثم سأل الرؤية فإنما يسأله بقاءها ودوامها؛ لأن الرؤية أمر وراء تلك المشاهدة، (بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان؛ فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب) جل جلاله (علوا كبيرا) لتنزهه عن المكان وعن تطرق الخيال والتصوير إليه، (بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وصورة تراه في الآخرة كذلك، بل أقول: المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث [ ص: 582 ] زيادة الكشف والوضوح، كما ضربنا من المثال) فيما سبق (في استكمال الخيال بالرؤية، فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهة) وتقدير شكل (فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة؛ لأنها هي بعينها إلا في زيادة الكشف، كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف وإليه الإشارة بقوله تعالى: يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا ؛ إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة الكشف) ، كما يرشد إليه لفظ الإتمام الذي هو بمعنى التوفية؛ (ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا؛ لأن المعرفة هي النور الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة، كما تنقلب النواة شجرة والحبة زرعا، ومن لا نواة في أرضه فكيف يحصل له نخل؟! ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع؟! فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة؟! ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة؛ فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر؛ إذ تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة) .

قال العراقي: رواه ابن عدي من حديث جابر، وقال: باطل بهذا الإسناد. وفي الميزان للذهبي أن الدارقطني رواه عن المحاملي عن علي بن عبدة، قال: وعلي بن عبدة كان يضع الحديث، ورواه ابن عباس، ذكر في التاريخ وابن الجوزي في الموضوعات. اهـ .

قلت: ورواه كذلك ابن النجار في تاريخه، وعلي بن عبدة هو التميمي، رواه عن ابن علية، وفي الخبر الأول من فوائد أبي الحسين بن بشران من طريق أبي عبيدة عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب: يا رسول الله، من أول من يحاسب الله يوم القيامة؟ فساق الحديث. وفي آخره: فيتجلى الله -عز وجل- لأبي بكر خاصة وللناس عامة، (فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه) في المعرفة (يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر) رضي الله عنه، (بل لا يجد إلا عشر عشيره إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشيره، ولما فضل) أبو بكر (الناس بسر وقر في صدره، فضل لا محالة بتجل انفرد به) يشير إلى ما سبق من حديث: ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه. رواه الحكيم من قول بكر المزني وتقدم الكلام عليه .

(وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح، وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف ملكوت السموات والأرض وسائر أمور الإلهية على الرياسة وعلى المطعوم والمنكوح جميعا، فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة؛ إذ) كان (يرجع نعيمها إلى المطعوم والمنكوح، وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والاطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب، وسائر الخلق مشغولون به، وكذلك لما قيل لرابعة) بنت إسماعيل العدوية قدس الله سرها: (ما تقولين في الجنة؟ فقالت) مستشهدة بالحديث المشهور: (الجار ثم الدار) . رواه الخطيب في الجامع من حديث علي بزيادة: والرفيق قبل الطريق، والزاد قبل الرحيل، ورواه الطبراني من حديث رافع بن خديج، وفيه زيادة أخرى في آخره (فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة، بل إلى رب الجنة، وكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا يراه في الآخرة، وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر [ ص: 583 ] فى الآخرة؛ إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا يحشر المرء إلا على ما مات) عليه، ففي الخبر: يبعث كل عبد على ما مات عليه. رواه عبد بن حميد ومسلم وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث جابر، ورواه البغوي والطبراني والحاكم في الكنى من حديث زيد بن حارثة، ورواه الدارقطني في الأفراد من حديث ابن عمر، ورواه ابن حبان من حديث جابر أيضا بزيادة: المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه. وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة: إنما يبعث الناس على نياتهم، (ولا يموت إلا على ما عاش عليه، فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به، كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته، فإن ذلك منتهى لذته وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهي؛ فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره، بل ربما يتأذى به، فإذا نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى، وحب الله تعالى بقدر معرفته، فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان) ، فقد روي من حديث علي: الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان. رواه ابن ماجه والطبراني وتمام والشيرازي في الألقاب وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، (فإن قلت: فلذة الرؤية إن كانت لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن كانت أضعافها؛ لأن لذة المعرفة في الدنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهي في القوة إلى أن يستحقر سائر لذات الجنة فيها، فاعلم أن هذا الاستحقار للذة المعرفة صدر من الخلق عن المعرفة، فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذتها وإن انطوى على معرفة ضعيفة وقلبه مشحون بعلائق الدنيا، فكيف يدرك لذتها؟! فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم لله تعالى لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذة الجنة، ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة، كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته ولا للذة استنشاق روائح الأطعمة الشهية) اللذيذة (إلى ذوقها ولا للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع وإظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال، فنقول: لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا بأسباب أحدها كمال جمال المعشوق ونقصانه؛ فإن اللذة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة، والثاني كمال قوة الحب والشهوة والعشق، فليس التذاذ من اشتد عشقه كالتذاذ من ضعفت شهوته وحبه، والثالث: كمال الإدراك؛ فليس التذاذه برؤية المعشوق في ظلمة، أو من وراء ستر رقيق، أو من بعد كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر وعند كمال الضوء، ولا إدراك لذة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكه مع التجرد) عنه .




الخدمات العلمية