الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وروي أن زرارة بن أبي أوفى صلى بالناس الغداة فلما قرأ فإذا نقر في الناقور خر مغشيا عليه فحمل ميتا .

ودخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز فقال عظني يا يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، اعلم أنك لست أول خليفة يموت فبكى ، ثم قال : زدني قال : يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين آدم أب إلا ميت فبكى ، ثم قال : زدني يا يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين الجنة والنار منزل فخر مغشيا عليه .

وقال ميمون بن مهران لما نزلت هذه الآية وإن جهنم لموعدهم أجمعين صاح سلمان الفارسي ووضع يده على رأسه وخرج هاربا ثلاثة أيام لا يقدرون عليه .

ورأى داود الطائي امرأة تبكي على رأس قبر ولدها وهي تقول : يا ابناه ، ليت شعري أي خديك بدأ به الدود أولا ، فصعق داود وسقط مكانه .

وقيل : مرض سفيان الثوري فعرض دليله على طبيب ذمي فقال هذا رجل قطع الخوف كبده ثم جاء وجس عروقه ثم قال : ما علمت أن في الملة الحنيفية مثله .

وقال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه سألت الله عز وجل أن يفتح علي بابا من الخوف ففتح فخفت على عقلي فقلت : يا رب على قدر ما أطيق فسكن قلبي .

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه وكأنه أشار إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا .

وقال العنبري اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي ولحيته ترجف فقال : عليكم بالقرآن عليكم بالصلاة ، ويحكم ليس هذا زمان حديث إنما هذا زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء كدعاء الغريق ، إنما هذا زمان : احفظ لسانك وأخف مكانك ، وعالج قلبك ، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر .

ورئي الفضيل يوما وهو يمشي فقيل له : إلى أين ؟ قال : لا أدري ، وكان يمشي والها من الخوف .

وقال : ذر بن عمر لأبيه عمر بن ذر ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد ، فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من كل جانب ، فقال : يا بني ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة .

التالي السابق


(وروي أن) أبا حاجب (زرارة بن أوفى) العامري الحرشي البصري قاضيها ثقة عابد روى له الجماعة (صلى بالناس الغداة فلما قرأ فإذا نقر في الناقور خر مغشيا عليه فحمل ميتا) روى المزي في التهذيب من طريق أبي خباب القصاب قال: صلى بنا زرارة الفجر فلما بلغ فإذا نقر في الناقور شهق شهقة ومات، ومن طريق بهز: أمنا زرارة في مسجد بني قشير فقرأ حتى إذا بلغ فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير خر ميتا، قال: فكنت فيمن حمله، وقد تقدم في تلاوة القرآن (ودخل يزيد) بن أبان (الرقاشي) القاص (على عمر بن عبد العزيز) - رحمه الله تعالى - فقال له (عظني يا يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك أول خليفة يموت فبكى، ثم قال: زدني قال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين آدم أب إلا ميت فبكى، ثم قال: زدني يا يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين الجنة والنار منزل ألا فاعلم فخر مغشيا عليه) ، أخرجه أبو نعيم في الحلية .

(وقال ميمون بن مهران) الجزري كاتب عمر بن عبد العزيز (لما نزلت هذه الآية وإن جهنم لموعدهم أجمعين صاح سلمان الفارسي) - رضي الله عنه - (ووضع يده على رأسه - رضي الله عنه - وخرج هاربا ثلاثة أيام لا يقدر عليه) قال العراقي: لم أقف له على أصل .

قلت: وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن ميمون قال خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة. الحديث، وفيه ثم دفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسية فقالت: من هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن، فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ فقلت لها: نعم، فقالت: يا شقي، ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء، قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه، فخرج إليه فاعتنقا فدخلنا فقال ميمون يا أبا سعيد: إني قد آنست من قلبي غلظة فقرأ الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون قال: فسقط الشيخ فرأيته يفحص [ ص: 256 ] برجليه كما تفحص الشاة المذبوحة فأقام طويلا ثم أفاق فجاءت الجارية فقالت: أتعبتم الشيخ قوموا تفرقوا فأخذت بيد أبي فخرجت به.

(ورأى داود) بن نصير (الطائي) - رحمه الله تعالى - (امرأة تبكي على رأس قبر ولدها وهي تقول: يا ابناه، ليت شعري أي خديك بدأ به الدود أولا، فصعق داود وسقط مكانه) ، أخرجه أبو نعيم في الحلية (وقيل: مرض سفيان الثوري) مرضة (فعرض دليله) أي: ما يستدل به على مرضه، وهي القارورة (على طبيب ذمي فقال) صاحب (هذا رجل قطع الخوف كبده ثم جاء) إليه (وجس نبضه ثم قال: ما علمت أن في الملة الحنيفية مثله) في كمال خوفه وهذا لفظ القشيري في الرسالة، ولفظ القوت: ولقد كان سفيان أحد الخائفين كان يبول الدم من شدة الخوف، وكان يمرض المرضات من المخافة، وعرض بوله على بعض أطباء الكتابيين فقال: هذا بول راهب من الرهبان.

وروى أبو نعيم في الحلية من طريق علي بن غنام قال: مرض سفيان الثوري بالكوفة، فبعث بمائه إلى متطبب بالكوفة، فلما نظر إليه قال: ويلك، بول من هذا؟ فقالوا: ما تسأل، انظر ما ترى فيه قال: أرى بول رجل قد أحرق الحزن والخوف جوفه.

(وقال أحمد بن حنبل) - رحمه الله تعالى - (سألت الله - عز وجل - أن يفتح علي باب الخوف ففتح) علي بابه (فخفت على عقلي فقلت: يا رب) أعطني (على قدر ما أطيق) ، وأقدر عليه (فسكن قلبي) نقله القشيري في الرسالة إلا أنه قال: فسكن ذلك، وروى أبو نعيم في الحلية في ترجمة الفضيل قال: سأل داود - عليه السلام - ربه أن يلقي الخوف في قلبه فلم يحتمله قلبه وطاش عقله حتى ما كان يعقل صلاة ولا ينتفع بشيء، فقال له: تحب أن ندعك كما أنت أو نردك إلى ما كنت عليه؟ قال: ردني، فرد إليه عقله .

(وقال عبد الله بن عمرو بن العاص) - رضي الله عنهما - (ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فوالذي نفسي بيده لو يعلم أحدكم العلم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه) رواه أحمد في الزهد عن وكيع، حدثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة، عنه قال: لو تعلمون. فذكره، وفيه: ولو تعلمون حق العلم لصرخ أحدكم حتى ينقطع صوته ويسجد حتى ينقطع صلبه، ورواه أبو نعيم في الحلية من هذا الطريق، وقد تقدم قريبا (وكأنه أشار إلى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) تقدم مرارا .

(وقال العنبري) هو عبيد الله بن الحسن بن حصين بن أبي الحر من بني العنبر بن عمرو بن تميم التميمي البصري القاضي قال النسائي: فقيه بصري ثقة، وقال ابن حبان: من سادات أهل البصرة فقها وعلما، ولي القضاء سنة سبع وخمسين ومات سنة ثمان وستين ومائة، روى له مسلم حديثا واحدا والبخاري في الأدب المفرد (اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض) - رحمه الله تعالى - (فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي ولحيته ترتجف) أي: تضطرب (فقال: عليكم بالقرآن) أي: بتلاوته (عليكم بالصلاة، ويحكم ليس هذا زمان حديث إنما هذا زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء كدعاء الغريق، إنما هذا زمان: احفظ لسانك وأخف مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر) .

وروى أبو نعيم في الحلية من طريق الحسين بن زياد قال: سمعت الفضيل يقول: احفظ لسانك وأقبل على شانك واعرف زمانك وأخف مكانك. ومن طريق يزيد بن خنيس قال: قال رجل: مررت ذات يوم بفضيل بن عياض فقلت له: أوصني بوصية ينفعني الله بها، قال: يا عبد الله، أخف مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات كما أمرك.

(ورئي الفضيل) بن عياض - رحمه الله تعالى - (يوما وهو يمشي فقيل له: إلى أين؟ قال: لا أدري، وكان يمشي والها من الخوف) أخرجه أبو نعيم في الحلية (وقال: ذر بن عمر لأبيه عمر بن ذر) بن عبد الله بن زرارة الهمداني المرهبي الكوفي وكان عمر يكنى أبا ذر وهو ثقة، في الحديث وقال العجلي: عمر بن ذر القاص كان ثقة بليغا، وقال سفيان بن عيينة لما مات ذر بن عمر قعد عمر على شفير قبره وهو يقول: يا بني شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، فليت شعري ما قلت وما قيل لك؟ اللهم إنك أمرته بطاعتك وأمرته ببري فقد وهبت له ما قصر فيه من حقي فهب له ما قصر فيه من حقك. وعن ابن السماك قال: لما دفن عمر ابنه وقف على قبره فبكى وقال اللهم: إني أشهدك أني قد تصدقت بما تثيبني عليه من [ ص: 257 ] مصيبتي فيه عليه، فأبكى من حضر، ثم قال: شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك، ثم ولى وهو يقول: انطلقنا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك ولكن نستودعك أرحم الراحمين.

مات عمر سنة ثلاث وخمسين ومائة روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في كتاب التفسير له، ووالده ذر بن عبد الله يكنى أبا عمر ثقة من أقران النخعي وسعيد بن جبير روى له الجماعة (ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من كل جانب، فقال: يا بني ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة) رواه أبو نعيم في الحلية فقال، حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد قال: أخبرت عن ابن السماك قال: قال ذر لأبيه: ما بال، فذكره .




الخدمات العلمية